فضمن مئات الصور التي تتوالى رؤيتها بأعيننا وتتراكم في ذاكرتنا وذاكرة الأجيــــال وستحفر في مخيلتنا كشـاهد على عجزنا وضعفنا وتواطئنا ؛ تبرز صـور الجرحى الثلاثــة في أحد مسـاجد الفلوجة الذين أجهز المارينز على بقايــا نبض حياة فيهم ، وصور تفجير المنازل على من فيها ، وصور الأطفال وقد احتضنوا آباءهم أو أمهاتهم الموتى المضرجين بدمائهم ، وصور الثكالى والأرامل من أحرار العراق وهم ينتحبون فقد أزواجهم وأبنائهم ، وصور أخرى تذوب لفرط بشاعتها ومأساويتها الأحجار والجماد .
أليس مخجلاً – ونحن نملك ترسانات الأسلحة الضخمة والمخزنة منذ سنوات – أن تشخص أبصارنا ونتسمَر أمام الفضائيات لنشاهد سيول الدماء المهراقة والمدرارة في العراق ، وتتعالى صرخات إخواننا وتتواصل استغاثات نسائهم وأطفالهم وتطرق أسماعنا آهاتهم وأناتهم ، فلا نملك لإغاثتهم شيئاً .
كلنا نعرف قصة الخليفة المســـلم المعتصم بالله ، الذي نقل إليه – بالطبع ليس عبر الفضائيــــات والإذاعـــات أو الانترنت كما هو حال النقل اليوم – استغاثة امرأة مســلمة تبعد عنه مئات الأميال ، صاحت طالبــة النجــــدة حينما حاول بعض علوج ذاك الزمان الاعتـــــداء عليها ، حيث سمعهم أحـدهم وبلغها للخليفة المعتصم الذي لم يســـتدع وزير إعلامه أو المصدر المســـئول في حكومته لتدبيج بيان أو تصريح صحفي ، ولم يملأ الدنيا ضجيجاً وصراخاً وخطباً رنانـــة ، وإنما جهز جيشـــــاً جرَاراً لإغاثـــــة هذه المرأة ! ولكن “معتصِمِي” هذه الأيام لا ينقذونها!
لكن تقديرات البشر وحساباتهم الأرضية مهما كانت قوَتها وجبروتها ، أو مهما بلغ عجزالعراقيين وضعفهم فإن هنالك ربَاً نلجأ إليه هو الجبار الذي تتهاوى أمامه كل الطواغيت ، فلا سبيل لنا بعد إذ سوى الدعاء بأن يلطف بهم وبنا المولى فيما جرت به المقادير ويحفظ دماءهم ودماء المسلمين من شرّ مصاصيها .. ومن يدري فربما تكون هذه المذبحة أو الحرب التي تقودها الولايات المتحدة ، هى أول من يحترق بها، ولعلها تكون أيضا بداية نهاية إمبراطوريتها الهمجية.
على أن المذابح والمجازر الجارية في العراق هذه الأيام تثير الكثير من الاشمئزاز والأسى خاصة من أولئك الذين يقفون الآن مشاركين ومهللين ومصفقين ومبررين أو في أحسن الأحوال صامتين كالشياطين الخرس وهم يرون جرائم الاحتلال الأمريكي ضد الإنسانية .
في يوم من الأيام – عاجلاً أم آجلاً – سيلتفت أبنـاء العراق إلى أطلال وقبور آبائهم وأجـدادهم وسيرون على شـواهدها تخلّي العرب والمسلمين عنهم ووقوفهم – بشكل مباشر أو غير مباشر- إلى جانب الاحتلال الذي دنّس بغداد الرشيد ، بغداد الحضارة والتراث ، بغداد قاهرة المغول ومنع عن أهلها الغذاء والماء والدواء ونزع من بين أيــاديهم أعزائهم وفلذات أكبـادهم . ويومها لاندري ، ماذا سيكون انتقامه وردّ فعله ؟!