راصد

المتقاعدون .. لاتأخذُوهم لحماً وتتركُوهم عظاماً

من الواضح جداً أن هنــــاك ضرراً ما يحدث في حق المتقاعدين لا يمكن تجاهله، والموضوع ليس بهذه الحدة، وليس هو الخيار بين الأبيض أو الأسود، ولكنه حتما لا يتحمل درجات من اللون الرمادي أو أن يترك هكذا إلى ما لانهاية بين الأخذ والرد أو هو يكاد يكون أقرب إلى التسول أو الشحاتــة لأنــاس قضوا زهرة حيـــاتهم وأفـنوا سـني أعمارهم وأضاعوا جلَ حياتهم في الخدمـة العامـة أو الخدمة العسكريــة وخدمــة وطنهم باعتبار أن ذلك شــرف عظيم وقــدر كريم يفني فيه الإنســان شبابه وأيام صحته أملاً في أن يلقى التقدير في ختام حياته ؛ هذا هو المفروض وهذا هو المأمول .

غير أن هذا المأمول في واد وأحـوال هؤلاء المتقاعدين – أو أغلبهم-  في واد آخر ، فقد تركوا للعوز والحاجة ، وصاروا يواجهون أعباء تحمَل نفقات معيشتهم وإيواء أسرهم لوحدهم دونما مساعدة إلا من هذا الذي يسمونه ( المعاش التقاعدي ) حيث لا يسمن ولا يغني من جوع ، ولو كان هذا الأمر قد حدث لهم إبان عنفوانهم وغضاضة أجسادهم ونضارتها لاستطاعوا التكسَب في أعمال ومشروعات تزيد من مداخيلهم وتفكَ شيئاً من عازتهم وحاجتهم ، لكن الآن  بعدما أخذُوهم لحماً وتركُوهم عظاماً وتصلبت أقواسهم وتثاقلت أقدامهم ؛ ماذا هم فاعلين ؟!!

ومن المحزن حقاً أن تتوالي اقتراحات السادة النواب لخدمة المتقاعدين وتحسين رواتبهم والمزايا والعطايا التي يستحقونها حتى كادت تلك المقترحات المتواصلة منذ بدء عمل مجلس النواب قبل ثلاث سنوات وحتى الآن أن تستحوذ على نصيب الأسد أو النسبة الكبرى بين موضوعات الاقتراحات التي تم طرحها ؛ من المحزن أن هذه الاقتراحات تضلَ طريقها إلى التنفيذ وتتعثر أمام  صخرة العجز الاكتواري أو الإفلاس الاكتواري دونما أن يكون هنالك أي تدخل حكومي لإزاحة هذه الصخرة التي قد لايحتاج إزاحتها إلا لبضعة مئات الآلاف من الدنانير ننفق مثلها أو أكثر منها في مناسبات أو احتفالات أو سباقات أو ( زينات ) لاترقى في أهميتها إلى أولوية تعديل معيشة مئات المتقاعدين وأسرهم وانتشالهم من حال الإحباط والمعاناة وتخفيف آلام الإهمال وغدر الزمان بهم . من غرائب الأمور مثلاً أن يتم التعلل برفض اقتراح زيادة نسبة (3%) للمتقاعدين بحجة تكلفة سنوية تُقدر بمليون ونصف ، بينما مثل هذا المبلغ قد لايساوي تكلفة إعادة بناء شارع أو حتى تزيين دوار من الدوارات !! ألا يجدر بالدولة – ولديها الآن وفورات مالية من زيادة أسعار البترول- أن تتدخل بمثل هذه المبالغ وتقيل عجز صندوقي التقاعد والتأمينات وتحقق الضمان والتكافل المناسب والكريم لأبنائها الذين خدموها في سالف الأيام ؟ خاصة وأن هذين الصندوقين قد قدما للدولة أيام إعسارها خدمات وقروض لعدد من مشروعاتها .

في الحقيقة إن أجدادنا وآباءنا هؤلاء يستحقون في تالي أعمارهم عيشة الملوك ، وأن يكون تكريمهم كالتيجان فوق الرؤوس ، نصبحهم بالشكر ونمسيهم بالامتنان ، فهم أوسمة الأوطان وبركة الزمان ، تحملوا المشاق وشظف العيش أيام كانت الحياة غير مانعيشه اليوم . فإذا كنا غير قادرين على رد جمائلهم على هذا النحو فلا أقل من أن نكفيهم حاجتهم ومؤونتهم ونمنعهم ذلَ السؤال ونتيح لهم الحياة بيسر وكرامة وبلا إهانة ولا معاناة.

أضف تعليق