راصد

المتقاعدون ولعنة الإفلاس الاكتواري

ليس ثمة ما يحزننا في موضوع زيادة الرواتب إلاّ هؤلاء المتقاعدين الذين لم يعد معروفاً السر الكامن وراء استثنائهم من أي زيادات أو إعفاءات أو تخفيضات يتم  إقرارها لبقية العاملين ، فمع أية أنباء عن مثل هذه الأمور ؛ يسقط عنهم المتقاعدون – ربما سهواً-  من دون أن نتعرف على مبررات حقيقية ومقبولة ،  وهو الأمر الذي يرسخ لدى هؤلاء الناس الذين أفنوا سني أعمارهم وقضوا زهرة شبابهم في أحضان أعمالهم وخدمة بلدهم ، إنما هم أشخاص غير مرغوب فيهم في مجتمعهم أو إنهم سكراب أو آلات انتهت صلاحيتها ، أو أخذوهم لحماً وتركوهم عظماً ، وبالتالي لا يُأبه بهم , أو يُلتفت إليهم .

لا يوجد أي مبرر قانوني أو مالي لعدم شمولهم في الزيادات ،  قانونياً ؛ ورد في المرسوم بقانون رقم (15) لسنة 1981 في شأن زيادة المعاشات في القانون رقم (13) لسنة 1975 بشأن تنظيم معاشات ومكافآت التقاعد لموظفي ومستخدمي الحكومة النص التالي : ” يضاف إلى المادة (20) من القانون رقم (13) لسنة 1975 المشار إليه فقرة ثانية ، هذا نصها : ويجوز تقرير زيادة المعاشات المستحقة أو التي تُستحق بالتطبيق لهذا القانون ، ورفع الحد الأدنى والأقصى لهذه المعاشات على ضوء الأرقام القياسية لنفقات المعيشة ، بنسبة يحددها قرار يصدر من مجلس الوزراء بناء على اقتراح وزير المالية والاقتصاد الوطني “

وأما ماليا فإنه بالإمكان الاستفادة من الفوائض المالية الناتجة عن ارتفاع سعر البترول في دعم صندوق التقاعد ليتمكن من تنفيذ زيادة رواتب المتقاعدين والخروج من دوامة أو ( سالفة ) الإفلاس الاكتواري التي باتت شعاراً يتم رفعه إزاء أي تعديل أو تحسين لأوضاع المتقاعدين ، صغُر أم كبُر ، حتى صار البعض يطلق على هذه الدوامة ( لعنة الإفلاس الاكتواري ) على غرار لعنة الفراعنة .

المعروف أن المتقاعدين حينما يبدأون حياتهم الثانية ( ما بعد التقاعد ) يكونون محمّلين بقروض لا أوّل لها ولا آخر ويدفعون في الغالب أقساط إسكان باعتبار أن المواطن عندنا لا ينتهي من أقساط الإسكان حتى بعد تقاعده ، وفي أحيان كثيرة ترافقه إلى قبره وتُورّث إلى أبنائه ! والمتقاعد يواجه هذه الحياة الجديدة براتب أقل مما كان يتقاضاه ، بمعنى أن دخله الشهري يقلّ بينما التزاماته وديونه وأقساطه لا تتغير ، وبمعنى ثالث أن هذا الإنسان في تالي عمره الذي يحتاج فيه إلى الراحة الجسدية والنفسية ؛ عليه أن يشقى أكثر لمواجهة نقص دخله الشهري والتكيف مع تلك الأعباء التي لا تتماشى مع تصاعد وارتفاع مستلزمات الحياة ، مما يجعلهم يحاولون خفض أوجه الإنفاق وحصرها في أضيق الحدود ، والتي تتركز في توفير الاحتياجات الأساسية، كالغذاء والمأوى والملبس فقط ، له ولأبنائه وعائلته .

 المتقاعدون فئة عزيزة من أبناء الوطن الذين خدموا بلادهم بإخلاص وتفان خلال فترة عملهم ، ضحوا بكل غال ونفيس ، أفنوا في أعمالهم سني أعمارهم وزهرة حياتهم ، أعطوا من صحتهم وحيويتهم بكل اقتدار وأمانة . ومن المحزن أن يشعر الإنسان بأنه – بعد هذه السنين من العمل – مركون ، لا فائدة منه ، لاتمسّه أية زيادات ولا ( ينوبه ) أي شيء منها . وأن عليه أن يتدبر باقي أيام حياته في استعطاف هيئات التقاعد بشأن بضعة دنانير يقتات منها ، هو وأسرته ؛ لا تسدّ جوعه ولا تلبي حاجته  ،  وكلما طلب الزيادة والمزايا واجهناه بما يسمى (  لعنة الإفلاس الاكتواري ) .

في الحقيقة يحتاج الأمر إلى وقفات جادة وصادقة ، ومرهفة الإحساس بهؤلاء الذين يحتاجون منّا إلى لمسات وفاء حقيقية تبعدهم عن ذل المسألة والحاجة .

أضف تعليق