راصد

المحـــرّق .. لماذا ظعنوا منها !!

مئات – إن لم يكن آلاف – من المواطنين الذين خرجوا من المحرّق وودعوا شوارعها وطرقاتها بينما قلوبهم تتفطّر حناناً وشغفاً بها ، وقد تنزل دموع بعضهم من مآقيها حينما يتذكرون دُورهََم ومنازلهم وحين تمر بذاكرتهم سواحلها و” أسيافها ” وعرشانها وحين يطرون ” دواعيسها ” وأزقتها .

مئـات – إن لم يكن آلاف – من المـواطنين تعلقـت قلوبهم بفرجــان المحـرّق مثـــل ” الصـنقل ” و” البنعــلي ” و” المــرّي” و” المحمــيد ” و” عين ســــمادو ” و” الصــــاغة ” و” العمــامــرة ” و” ستيشن ” و” الغاوي ” و ” العمّال” وغيرها ، وخُتم على رئاتهم التي يتنفسـّون بها عبقها ونسـماتها ؛ لم يغادروها إلا بسبب الحاجة وبعدما ضاقت بهم السـبل .

وبيوتـات عــوائــل معروفــة كانت ملفى النــاس ومحــالهم ومــلاذ تجمعاتهم ( سنيهم وشيعتهم ) ونواخذتهم صارت خرائب أو كالعنابر أو ” خان ” للعمال الآسيويين ، وغابت أسماؤهم عن دنيا المحرق وسمائها .. وعشـرات من المواطنين الذين تطوى سني أعمارهم في المحرق ويقاربون الشـيخوخة وهم ينتـظرون رحمة المولى عز وجل بأن يتوسعوا في بيوتهم أو يصلحوا ماتصدّع منها أو يرممّوا ما آل منها إلى السقوط أو يحصلوا على سكن يضم على الأقل أبنـاءهم وأحفادهم بعدما مضى – أو كاد-  قطار أعمـارهم .

لازلت أتذكّر كيف كان الراحل المؤرخ الوالد مبارك الخاطر – رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جنانه – يتحدث عن المحرّق وشخصياتها ويعدّد تاريخ رجالاتها ومآثرهم ، وكيف كان ينطق عن الحياة في داخل أروقتها ويصف منــازلها وبيـوتها ” العودة ” و ” أحواشها ”  و” درايشها ” و ” بوادقيرها ” ، وكيف كان يستمتع وهو يذكر حياة الناس فيها وبساطتهم ويعدّد ما شاء من القصص والحكايات التي صارت ماضياً في حياة الناس يتحسّر عليه الكثيرون – غير مبارك الخاطر رحمه الله – ممن وُلدوا في المحرّق ونشأوا في رحابها وتنفسوا من هوائها ولامست أجسادهم عيونها ومياه بحارها .

لا نجانب الصواب إذا قلنا أن المحرّق قد تعرّضت إلى مخطط لتهريب أهلها وتطفيشهم وتغريبهم عنها وتفريق مجاميعهم وتغيير تركيبتهم ، ولكن هذا المخطط ليس بالضرورة أجنبياً كما قد يتبادر للبعض من خلال بعض الشواهد أو الدلائل أو الحوادث ؛ إنما صنوف الإهمال والنسيان التي عانت منها المحرق على مدار عقود من الزمان هي التي شرّدت ناسها ، وضيق ذات اليد هي التي اضطرتهم لبيع منازلهم والتخلي عنها لغيرهم ، وعيالهم التي كبرت دون أن تتسع لإيوائهم الدُور والبيوتات هي التي دفعتهم للنزوح منها ، والخدمات والتطويرات التي طالت مناطق أخرى وأغفلتهم هي التي أغرتهم لتركها ، والمشروعات والإمتدادات الإسكانية التي حظي بها الآخرون وأهملتهم هي التي دفعتهم لمغادرتها.

 نأمل كل التوفيق والنجاح لرجالات المحرق وحكمائها من الطائفتين في مساعيهم لرأب الفتنة بين أبنائها وتجاوزها والصعود عليها والانضمام معاً في مشروع صاحب السمو الشيخ خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء الموقر من أجل تطوير المحرق وتجديدها حضرياً ووقف حالات التطفيش السياسي – إن وُجد- والخدماتي – وهو الأهم – وإعادة أهلها إليها فضلاً عن المحافظة على من بقي فيها. فلسان حال المحرّق الآن يردد قول الشاعر :

   ياهَــلْ أجالسُ أقوامـاً أحبّـهم        كنّا وكانوا على عهدٍ فقد ظعنُوا ؟

أو تَحفظُون عُهـوداً لا أضيِّعُها          إنَّ الكِـرامَ بِحفظِ العهـدِ تُمتُحنُ

أضف تعليق