راصد

المساحة الخالية

ما عرفناه، وحفظناه عن ظهر قلب، هو أن كل شيء إذا زاد عن حده، انقلب إلى ضده، وهاهي الأيام تغدق علينا من أحداثها المزيد، لنتعلم أو لننتبه على الأقل إلى أن بعض الأشياء، التي لا تبلغ حدها الطبيعي، قد تنقلب إلى ضدها تماما كالأشياء، التي تزيد عن حدها! إنها قاعدة ماضية ، من الزيادة والنقصان .

فبالرغم من أن المشروع الإصلاحي في البحرين في القياس الواقعي لازال طرياً وحديثاً في زمانه ، وقوياً ومتقدماً في المقارنة بالمشروعات الإصلاحية المماثلة، ونموذجاً متميزاً على المستوى الإقليمي والعربي ؛ بالرغم من كل ذلك إلا أنه لم يحظ بالعناية التي تناسبه من حيث المحافظة عليه وتجربة آلياته وانتظار نتائجه وثماره ، ولاننسى أن كانت له نتائج مباشرة على المستوى الاقتصادي والسياسي والحقوقي تمثلت في العديد من المكرمات المعيشية والعفو العام وإعادة المبعدين و… إلخ .

لا نجتزأ على الحقيقة حينما نقول ذلك ، ولكن من يستطيع أن ينفي أن هناك أسافين باتت تدق في الوحدة الوطنية ، وأن هناك أطروحات تفرق أكثر من أن تجمع ، وأن هناك مكاسب يخشى أن تتحول إلى خسائر ، وأخيراً فإن هناك قلقاً وخوفاً من المستقبل لم يعودا مخفيين .

صحيح ، من حقنا أن نفتخر أننا وقت الأزمات نمثل نموذجاً ممتازاً في الوطنية ، تظهر من خلاله صدقية الانتماء ، وندرك حين الأزمات الحاجة للحوار وأهمية المحافظة على الوطن والبعد عن الفتن وهذا شيء نحمد الله عليه كثيراً.

ففي الأسابيع القليلة الماضية تنادت – كما هو حال البحرين دائماً- فاعليات وجمعيات وشخصيات على إثر تداعيات حملة جمع التوقيعات على العريضة الدستورية لمعالجة حال التصعيد التي باتت حالة سريعة الاستدعاء في خطاب الشارع دون الالتفات إلى العواقب المحتملة لها ، سواء على الصعيد المحلي المجتمعي أو على صعيد المتغيرات والظروف الإقليمية المحيطة .

ولكن في تصوري إن الوطنية الفعلية لا تكون وقت الأزمات فقط ، ولا يمكن اعتبارها حالة طوارئ يتم الركون إليها في أوضاع الخوف من الانفلات ، فالوطن يستحق بدون شك أكثر منذ لك . الوطنية أكبر من ضيق الأزمة.

الوطنية سلوك حضاري نحتاج لغرسه في منظومة السلوك اليومي لنا كبارا وصغارا. الغريب أن البعض اعتقد إن الوطنية يمكن تدريسها عبر منهج دراسي؟؟ مع العلم أن الوطنية يمكن تشبيهها بالبذرة إن لم تنمُ في وجدان الإنسان فإنها لن تثمر وتطرح ثمارها في حياض الوطن بالشكل الصحيح

    الواقع يؤكد إن داخل البعض من شبابنا مساحة فراغ غير قليلة، وعموماً غرس الوطنية كسلوك دائم يستحق الكثير من الجهد والمال والتخطيط، لأننا لا نريد أن نجد داخل بعضنا مساحة خالية تمتد لها يد أخرى.

أضف تعليق