يُحكى في كتب التاريخ أن قريشاً أجمعت أمرَها على قتل النبي صلى الله عليه وسلم ، فبلغ ذلك عمّه أبي طالب الذي جمع بني هاشم ، مؤمنهم وكافرهم، وأخبرهم بمكيدة قريش ونيتها ، فتحركت فيهم حميَّةُ الدم والنسب، فقرَّروا أن ينحازوا بالنبي صلى الله عليه وسلم في شِعب بمكة يقال له ” شِعب أبي طالب” وانحاز معهم حميَّةً أيضاً بنوالمطلب بن عبد مناف.
رأت قريش هذه الحميّة والمنعة، فعرفت أن دون ذلك دماء وأشلاء ، فقررت معاقبة هذه الفئة المسلمة المارقة ومن تعاطف معها، فاجتمع رؤساؤهم في خيف بني كنانة، (ويسمى اليوم بالمعابدة)، اجتمعوا على مقاطعة بني هاشم وبني المطلب ومحاصرتهم اقتصاديًا واجتماعيًا، وكتبوا في ذلك كتابًا: (ألا يزوجوا إليهم، ولا يتزوجوا منهم، ولا يبيعوهم شيئًا، ولا يبتاعوا منهم شيئًا، ولا يكلموهم، ولا يجالسوهم) حتى يسلّموا إليهم رسول الله عليه الصلاة والسلام وعُلقت هذه الصحيفة الظالمة في جوف الكعبة تأكيدًا على التزام ما فيها. ثم اشتد هذا الحصار فمُنعوا من إدخال الطعام وسائر المؤونة إليهم حيث استمر ذلك ما يقارب الثلاث سنوات لم تخل خلالها من محاولات مخلصة لفكّ هذا الحصار الظالم على رسول الله وأصحابه .
وكان من بين من قاد تلك المحاولات رجل يُدعى المطعم بن عدي ، وهو غير مسلم ، ومن رجالات قريش ، لم ترض نفسه وإنسانيته بهذا الظلم والتجويع فكان من أوائل الذين قاموا في نقض تلك الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم وبني المطلب، وكان يحنو عليهم ويصلهم بالسر غير آبه بمخاطر كسر هذا الحصار والعواقب التي ستترتب على اكتشاف أمره ، وإيّاه عنى أبو طالب بقوله:
أمطعم إن القوم ساموك خطة وإني متى أوكل فلست بوائل
ولم ينس رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا الموقف النبيل من المطعم بن عدي ، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام يوم بدر: ” لو كان المطعم بن عدي حياً وكلمني في هؤلاء النتنى – يعني الأسرى – لتركتهم له ” .
نستذكر هذه القصة البطولية في هذه الأيام لنكتشف أن أمثال ” المطعم بن عدي ” قد تكاثروا حتى وصلت أعدادهم بالمئات ، غالبهم من أحرار وشرفاء العالم الغربي، مثل رجل الدين المطران كبوجي ، والكاتب السويدي الشهير مايكل هنن والناشط الإنجليزي بيتر فينر وغيرهم ممن حملتهم السفن الست لأسطول الحرية الذي كان متجهاً لكسر الحصار عن قطاع غزة ، آثروا السير على خطى ” المطعم بن عدي ” وسيكون أمراً محزناً ومثيراً للشفقة لو عرفوا أن بعض المخذلين الذين ( تفيقهوا ) علينا يقولون بخصوص أبطال أسطول الحرية لكسر الحصار عن غزة بأن ما قاموا به هو إلقاء بأنفسهم في التهلكة أو انتحاراً لم يكن هنالك داعي له !! وياليت هذا الكلام قد خرج من علمانيين أو ليبراليين أو ما شابههم ، فهو متوقع منهم ؛ لكن أن ينطلق من متدينين أو محسوبين على الالتزام فهذا يُعدّ سفه وتخذيل لايختلف عما ردّده بعضهم أيضاً من قبل أن الاعتصامات والاحتجاجات التي تعمّ العالم عن نصرة الأقصى والمطالبة برفع الحصار عن غزة لافائدة منها ، وأنها لاتحرّر الأقصى . والأولى – في الحقيقة – لمن يقول بذلك أن ينصاع لما ورد عن سيد البشر صلى الله عليه وسلم في الحديث المشهور: ” من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ؛ فليقل خيراً أو ليصمت ” .
شرّفتم أرضنا :
الإخوة الأفاضل الأعزاء : فضيلة الشيخ جلال الشرقي ، خالد بوجيري ، حسن مراد ، يوسف محمود .. نشكركم لكم إضافتكم اسم البحرين ورفعتم رايتها في ذلكم الأسطول الذي شرّف الإنسانية .