الغُرم في لغة العرب يأتي بمعنى (الدَّين)، ومنه قوله تعالى:” والغارمين وفي سبيل الله ” والغارمون: هم الذين لزمهم الدَّين في الحمالة، ومنه في الحديث:” أعوذ بك من المأثم والمغرم” ويُقصد به عموماً الضرر. وأما الغُنم في اللغة فهو الفوز بالشيء بلا مشقة . ويُستعمل الغُنم مقابل الغُرم ولذلك نشأت قاعدة في الفقه تقول ” الغُنْم بالغرم” ومعناه ” إن من ينال نفع شيء يتحمّل ضرره “
غير أن واقع الحال قد أهمل هذه القاعدة وحدث فصل كبير بين طرفيها بحيث اعتاد المواطن على معيشة الغُرم وغابت عنه فرص الفوز بالغُنم ، وصارت الديون والقروض تلاحقه وتستقطع الرسوم والإيجارات والأقساط أجزاء غالبة من راتبه الشهري بمنتهى السهولة والبساطة دون أن يقابلها ( غُنم ) من أي نوع يأتي بمثل سهولة ما يغرمه !
لا يحتاج الأمر إلى كثير عناء لبيان أوجه أو حجم هذا الانفصال النكد بين طرفي القاعدة المذكورة ، إذ ما أسهل الأخذ من المواطن ( الغُرم ) . في المقابل ؛ ما أصعب إعطائه أو تعويضه ( الغُنم ) . فعلى سبيل المثال وليس الحصر :
– عند حدوث أي أزمة اقتصادية ( الغُرم ) فإن المواطنين يكونون على موعد مع دعوات ترشيد الإنفاق أو الاستهلاك أو ما يُعرف ب ( شدّ الحزام ) فإذا ما انتهت تلك الأزمة وحلّ مكانها طفرة اقتصادية ( الغُنم ) فغالباً لا يكون للمواطنين منها شيء ، ويبقى الحزام مشدوداً .
– يسدد المواطن فواتير الكهرباء والماء أو الهاتف لكن لو حدث خطأ في تلك الفواتير وتقرر إرجاع مبلغ للمواطن مما دفعه ؛ متى سيحصل عليه ؟ وكم يوماً سيستغرقه ؟
– ولو دفع المواطن مبلغاً للتأمين من أجل الحصول على خدمة معينة كرخصة بناء – مثلاً – لكن بعد الانتهاء ؛ يا ترى متى سيسترجعه ؟ وكيف ؟
– قارنوا بين سرعة استقطاع نسبة (1%) من المواطنين للتأمين ضد التعطل وبين استلامه علاوة الغلاء (50) ديناراً .
– قارنوا أيضاً في مجال الخدمات والمرافق العامة : شوارع وجسور وخدمات جديدة يتم إنشاؤها في مناطق حديثة ( الغُنم ) وغير مأهولة بالسكان حتى الآن يجري العمل من أجل الانتهاء منها بصورة متواصلة ( ليل ونهار ) بواسطة عمالة هي في سرعة ( الأرانب ) بينما لا يكون لأهل ( الغُرم ) في المناطق القديمة المأهولة بالسكان والمكتظة بالضيق والازدحام سوى بضع عمليات ترقيعية تقوم بها عمالة تشبه ( السلاحف ) تمر عليها الأشهر والسنوات دون أن تنتهي من عملها حتى لو تعلّق الأمر بوضع طابوق ملون على الأرصفة .
بالطبع هنالك صور وأمثلة كثيرة نعيشها في واقعنا تفصح عن مقدار الخلل في علاقة شراكة المواطن بالغُنم والغُرم .