بين يدي قصة لاتنقصها الغرابة ، وليست – فيما أعتقد – هي الأولى من نوعها ، لكن تكرارها واستمرارها بات أمراً يثير الاستغراب ويدعو للتساءل عن الدور المفترض للسفارات ، ومدى انصياعها للقوانين والإجراءات المتبعة والمرعية ، وعن صلاحياتها واختصاصاتها فيما يتعلق بالعمالة التابعة للدولة التي تمثلها !! ولا أدري : هل نوجه هذه القصة لوزارة الخارجية أم لوزارة العمل ؟ لكنها بالتأكيد تحتاج إلى إجابة من جهة رسمية ما .
القصة تقول أن عائلة بحرينية استقدمت في شهر فبراير الماضي ، خادمة أندونيسية ، دفعت للمكتب المختص من أجل استقدامها (700) دينار ، عدّاً ونقداً ، وراتبها الشهري (55) ديناراً. لم تحدث بينها وبين هذه العائلة أية مشكلات ، كما أنها تعمل في صمت ولم يبدر منها أي اعتراض أو تذمّر أو أية شكوى . ولكن بعد مضي خمسة أشهر تفاجأت العائلة في صباح أحد الأيام بأن خادمتهم غير موجودة في المنزل ، بحثوا عنها ، وسألوا هنا وهنالك دون فائدة ، ولا يوجد لها أثر.
وبينما كان رب العائلة ( كفيلها ) متوجهاً في ذات صباح اليوم لمركز الشرطة للإبلاغ عن فقدان أو هروب خادمته إذ به يتلقى اتصالاً هاتفياً من السفارة الأوندونيسية يخبرونه بأن الخادمة لديهم ويطلبون منه مراجعتهم . في مقر السفارة أبلغوه برغبة خادمته في الرجوع إلى بلدها لأن والدتها مريضة وأنهم حجزوا لها للسفر في نهاية هذا الشهر وعليه أن يأتي بقيمة التذكرة مما تبقى من راتبها ، وستبقى هي في ضيافة السفارة حتى موعد سفرها ، هكذا بكل بساطة ! ولم تنفع كل محاولاته لإقناعها وإقناعهم بإبقاء هذه الخادمة ، ليس لحاجة العائلة إليها فحسب ، وإنما هذه الخسائر التي تكبّدها ؛ من سيعوّضه عنها ؟ ومن أين له أن يأتي بغيرها وبديلاً عنها؟ وللعلم فإن مجموع رواتبها في خمسة أشهر (55ْx 5= 275 ديناراً ) ، إذا أضفناها إلى تكلفة استقدامها (700 + 275 = 975 ديناراً ) . بمعنى أن هذا المواطن يُراد له أن يخسر (975) ديناراً ثم يدفع مثلها أو أقل منها لاستقدام خادمة جديدة أخرى ، وكل ذلك في غمضة عين ، هي خسائر بالتأكيد دون وجه حق ، ونحسب – أو هكذا نفترض – أنه لا شأن للسفارة بذلك ، والسماح باستمرار عمليات الهروب إلى السفارات على هذا النحو إنما هو باب آخر وإضافة جديدة لسلسلة الإجراءات والقوانين والرسوم والقرارات التي جرى استحداثها وتطبيقها خلال السنوات القليلة الماضية ، وأخلّت بسلامة وتوازن العلاقة القائمة بين العمال الأجانب وأصحاب العمل ، والتي من المتوقع بحسب منطق الأشياء ، وكنتيجة لها سنجد أنفسنا مرغمين بعد فترة زمنية معينة ( قد لا تطول ) نطالب بتشريعات تحمي المواطنين من العمالة الأجنبية ، تحمي أعمالهم وتضمن مصالحهم وأموالهم ، وتمنع خسائرهم وابتزازهم والنصب عليهم وما إلى ذلك من مشكلات هي مرشحة للتزايد والتوسع .
على أن الأمر لا يقتصر عند حدود هذه القوانين والقرارات الجديدة ، وإنما يتعدّاه إلى تدخل جهات ( إحنا مب ناقصينها بعد ) ربما لاتُخضع نفسها لقوانين البلاد وتتحكم في عمالتها كيفما شاءت دون أن يستطيع أحد وقفها أو منع تدخلاتها وفرض قراراتها على نحو قصة صاحبنا مع خادمته التي هربت إلى سفارة بلدها . نتمنى أن نجد جواباً من وزارة العمل أو وزارة الخارجية عن دور السفارات في هذه المسألة ، وماهي الإجراءات التي يقومون أو سيقومون بها لوقف استنزاف أموال المواطنين والحدّ من عمليات الهروب والاستقواء بالسفارات ..