انتحر في أواخر شهر مايو الماضي وزير الزراعة الياباني توشيكاتسو ماتسوكا بأن شنق نفسه بحبل ربطه في غرفة الجلوس قبل ساعات قليلة من مثوله أمام جلسة المساءلة التي كان من المتوقع أن يعقدها البرلمان الياباني بسبب فضيحة مالية أشارت أصابع الاتهام لتورّط الوزير توشيكاتسو ماتسوكا فيها . وبحسب المعلومات التي تم تداولها عن خبر انتحاره فإن تهم الفساد ضده تتعلق بثلاثة أمور : أولها : تم اتهام لجنتين شكلتا لدعم حملته الانتخابية بتلقي أموال من مجموعة من الشركات تقدمت بعد ذلك بعروض للحصول على مشاريع في الأشغال العامة طرحتها الحكومة. وثانيها :اعتقل المدعون الأسبوع الماضي مسؤولين بارزين اثنين في الجهاز الحكومي الضالع في الفضيحة التي شملت عقودا لشق طرق في المنطقة التي ينحدر منها ماتسوكا نفسه . بالرغم من أن توشيكاتسو ماتسوكا قال بعد عملية الاعتقال التي جرت : ” إنني وبكل ألم اشعر بالمسؤولية البالغة بصفتي وزيرا مشرفا… واعتقد إنني كنت مسؤولا عن منع حدوث أي أمر من هذا القبيل ” وأما ثالثها فهي تعرضه إلى الانتقادات بسبب تقديمه فواتير بقيمة (240) ألف دولار خلال (5) سنوات للإنفاق على مكتبه .
وبالرغم من أن توشيكاتسو ماتسوكا البالغ من العمر (62) عاماً قد نفى تلك الاتهامات وأنكر تورطه فيها في مناسبات عديدة إلاّ أن انتحاره كان بمثابة الصدمة لنا في عالمنا العربي التي يصعب تفسيرها أو إيجاد مبررات كافية ومقنعة لإقدام وزير على إنهاء حياته بنفسه على هذا النحو لمجرّد تُهم – لم يتم إثباتها عليه حتى الآن – لو تم إجراء دراسة مقارنة بينها وبين تهم الفساد عندنا نحن العرب فسنكتشف أن أسباب انتحار ماتسوكا تافهة لا تستدعي حتى الندم ناهيك عن الانتحار ، وإن هذه التهم التي أثيرت عنه إنما هي من سقط المتاع الذي يمرّ بلا حساب ، ولا يُأبه له .
وهكذا ستبقى اليابان ولاّدة لنا بابتكاراتها وإبداعاتها ، نستفيد من تجاربها وننهل من خبراتها ونعتبر من مجتمعها الذي ينظر للمسؤول الفاسد نظرة شديدة الاحتقار بحيث تجعله لا يجرؤ على تخيّل الحياة وسط هذا المجتمع الذي وصم وزارته أو أشار إلى شخصه في يوم ما بالفساد . لعلّ هذا السبب الذي دفع وزير الزراعة الياباني توشيكاتسو ماتسوكا للانتحار حتى قبل أن يمثل أمام البرلمان مدافعاً عن نفسه ووزارته . فاللهم احفظ وزراء عالمنا الثالث من مزالق الفساد وامنع عنهم سقط متاعه ولا تلجأهم إلى وساوس الانتحار وأبعد عنهم شبح توشيكاتسو ماتسوكا .