يروى أن ( س) من الناس ، وهو مواطن بحريني قد زار معرض البحرين الدولي للعقارات ( بايبكس 2007) الذي افتتح أواخر الأسبوع الماضي ، وعند خروجه من المعرض بعد تجواله في مختلف أجنحته تم إهدائه شيء غريب لم تجر العادة عليه أثار استغرابه ودهشته .
تقول الرواية أن صاحبنا (س) قد استكمل مؤخراً تحديث بياناته في قاعدة معلومات بنك الإسكان تمهيداً للإعلان في ديسمبر الحالي عن استفادته بقرض لشراء بيت بعد فترة انتظار دامت لسنين عجاف بدأها في العقد الثامن من القرن الماضي بطلب قسيمة يبني عليها منزل أحلامه مع قرينته التي تزوج بها للتو . ثم حينما دبّ اليأس إليه حوّل طلبه إلى وحدة سكنية خاصة بعدما رأى أولاده يكبرون أمام ناظريه دون أن يستطيع تخصيص غرفة لهم في شقته أو شققه التي صار ينتقل إليها بين فترة وأخرى طمعاً في سعة أكبر أو سعر أفضل . ولمّا تخرّج بعض عياله من المدرسة وشعر بضياع سني عمره في انتظار قادم لا يدري أيهما أسبق : أجله أم الوحدة السكنية ؟ قرر (س) تحويل طلبه إلى قرض شراء بيت .
أثنـاء تحديث البيـانات عرف (س) أنه سيحصل على قرض قدره (40) ألف دينار ، وهو الحد الأعلى للقروض التي تقوم بتوزيعها وزارة الأشغال والإسكان على المواطنين ، انطلاقاً من مسؤولياتها والتزاماً بواجباتها لتمكينهم من توفير السكن المناسب لهم ولعائلاتهم !!! وعلى الفور انتعشت الآمال مرة أخرى في صاحبنا (س) الذي قارب سنّه الخمسين عاماً إذ سينهي حياة الشقق المؤجرة ويودعها إلى غير رجعة وسيتوسع في سكنه وسيوفر لأبنائه الأربعة غرفاً تضم خصوصياتهم وتلمّ شتاتهم وتحقق لكل منهم شخصيته وسيشعرون أن والدهم – حينما يغادر دنياهم – لم يتركهم بلا مأوى وسكن .
ومن محاسن الصدف لصاحبنا (س) أن تزامن انتهائه من تحديث بياناته الإسكانية مع افتتاح معرض البحرين الدولي للعقارات ( بايبكس 2007) حيث قرأ أن البحرين تحتضن مشروعات إسكانية بقيمة (30) مليار دينار وأن ما نسبته (80%) منها قد تم بيعه ؛ فقرر زيارة هذا المعرض لعلّه تكون له فرصة في الحصول على شيء من ال (20%) المتبقية . وبالفعل ، ما هي إلا ساعات قليلة حتى وجد السيد (س) نفسه في أروقة هذا المعرض العقاري ، كان حريصاً أن يكون بدون زوجته التي لم تعد صحتها تساعدها على المشي والتجوال ، وكذلك بدون أولاده أملاً في مفاجأتهم بتكحيل عيونهم بتحقيق حلمهم الكبير .
في المعرض ؛ توقف صاحبنا ( س) في أحد الأجنحة أمام مجسم لإحدى الفلل الواقعة ضمن مشروع إسكاني ، و تسمّرت عيناه عليها لفترة طويلة إلى أن باغته أحد العارضين بالترحيب به وإعطائه نبذة عن هذا المشروع وفلله ، المواطن البحريني (س) وقف مذهولاً أمام هذا الشرح والعرض ، فلة مطلّة على البحر ، شرفات على بركة سباحة ، ملاعب غولف ، حدائق وألعاب أطفال و( مراجيح ) ، مرسى لليخوت و… إلخ مما لم يسمع به من قبل ولم يخطر على باله . ولما سأل عن السعر قيل له أن سعر الفلة (180 ) ألف دينار فاستدرك (س) المسكين تقصد ( روبية ) !
بعد هذه الصدمة انتقل (س) إلى جناح آخر فلم يجده أقل شأناً وسعراً من المشروع المعروض في الجناح السابق ، وبالطبع لم يفته أن يتسمّر أمام الفلل المعروضة كمجسمات ، وكذلك لم ينس أن يتحسّر ويندب حظّه العاثر أمام أكثر من جناح اكتشف أن المعروض فيها ليس للبحرينيين أو ليس لعموم البحرينيين . بعد ذلك قرر (س) أن يطوف على بقية الأجنحة مكتفياً بسؤال العارضين فيها من البداية ” هل عندكم شيء ب(40) ألف دينار ؟ فلم يحصل منهم إلاّ على ابتسامات شعر على إثرها بأنه صار أضحوكة في هذا المعرض المقام حالياً في مركز البحرين للمعارض على مساحة (6) آلاف متر مربع لم يحسّ طوال حياته بذلّ الاغتراب في مكان أكثر من هذه اللحظة .
وعندما خرج صاحبنا (س) المسكين من المعرض وجد عند الباب شاب أنيق سلّمه بكل لطف واحترام ( فوطة ) وقال له بأدب ولباقة : مش بوزك !!
——————————————————————————
هذه الرواية رمزية لكنها بالتأكيد لسان حال كثرة غالبة من البحرينيين الآن ممن حارت عقولهم وعجزت أفهامهم أمام ما يرونه ويشاهدونه من عمار في البر والبحر وفي كل مكان من دون أن يكون لهم نصيب فيه أو ينتج عنه حلولاً لمشكلتهم الإسكانية المتفاقمة .