راصد

برادة محي الدين آغا

تفاجأ زبائنها مؤخراً بلافتتين ، إحداهما في مدخل البرادة والأخرى عند أمين الصندوق اللافتتان مكتوب فيهما عبارة واحدة ( نأسف ، اشتر وادفع ، السلف ممنوع ) وقد أبدى عدد من الزبائن استياءهم وامتعاضهم من هاتين اللافتتين اللتين أصابت كثرة من  زبائن البرادة في مقتل ، ودبّ الإحباط إليهم وجعلتهم يحتارون ويضربون أخماساً في أسداس لأنها  – اللافتة – على ما يبدوا ( ستلخبط ) القادم من معيشتهم بعدما اعتادوا على الدفع المؤجل أو الاقتراض الحسن أو التسويف أو غيرها من المسميات التي تتفق في نهاياتها على أنها بمثابة تسهيلات ميسرة في الدفع تتم عن طريق الثقة وسعة الصدر في التعامل بين الزبائن والسيد محي الدين آغا .

يقول صاحب البرادة محي الدين آغا أنه منذ أن افتتح البرادة قبل ما يقارب السبع سنوات أخذ على عاتقه مساعدة زبائنه خاصة محدودي الدخل ، ممن لا تستكمل رواتبهم معهم مسيرة الشهر وتعجز عن الصمود في منتصفه . فأعدّ لذلك  (دفتر) أزرق يسجل فيه مشتريات الزبائن العاجزين عن الدفع ، بحيث صار لكل زبون سجل خاص به يأتي في نهاية كل شهر ، عند استلام راتبه الجديد ويسدّد ما عليه في الحساب ثم نفتح له حساباً للشهر الجديد ، وهكذا يتمكن الزبون أو زوجته أو أولاده من شراء ما يحتاجونه من مواد غذائية واستهلاكية طوال الشهر من البرادة  وتسجيله عليهم في الحساب حتى آخر الشهر ، موعد تسديده .

 لكن ما الذي تغير ؟ وما الذي حدا مما بدا ؟ يقول محي الدين آغا : قبل عدة أشهر بدأت تزيد سجلات الزبائن وتتضخم حساباتهم نتيجة ارتفاع الأسعار ، فمن كان يدفع – مثلاً – في السابق عن حسابه (50) ديناراً نهاية الشهر صار المطلوب منه الآن (80) ديناراً ثم تدرّج المبلغ في الارتفاع حتى تجاوز في الآونة الأخيرة  لدى بعضهم حاجز (120) ديناراً وأكثر لبضائع ومواد لم يتغير منها شيء سوى تضاعف أسعارها . ويضيف محي الدين : حاولت أن استمر في مساعدة الزبائن بحيث يدفعوا النصف ويؤجلوا النصف الآخر إلى أن تتحسن أحوالهم في الشهر القادم أو الذي يليه على أكثر تقدير لأني لست بنكاً ولا صندوق أو جمعية خيرية . غير أن جهود محي الدين آغا لم تفلح ، و( الماي زاد على الطحين ) الأسعار نار لاهبة والرواتب جامدة . تراكمت المديونيات وزادت السجلات وبعض الزبائن قصرت حيلتهم وبعضهم يطلبون التأجيل وبعضهم لم أعد أر وجوههم . فاضطررت إلى اتخاذ إجراءات حازمة تحفظ مكتسبات البرادة وأموالها وتضمن استمراريتها وأُنهي في برادتي ما كان معروفاً بسجل الدفتر الأزرق .

برادة محي الدين آغا ( الاسم غير حقيقي ) ؛ أحد أنواع المعاناة الجديدة التي باتت تؤرق الكثير من الفقراء والمعوزين وذوي الدخل المحدود بعدما تخلّت عنهم أمثال برادات محي الدين آغا .

أضف تعليق