أصبحنا اليوم نستجدي المواقف البطولية والمبدئية من غير العرب وننظر لها بكل إعجاب وافتخار ، وفي ذات الوقت يدبّ الحزن والأسى – وربما- القهر في نفوسنا على أن من افترضنا فيهم ممارسة هذه المواقف من قادتنا ومسؤولينا وأبناء جلدتنا من الأوصياء المتوقعين على قضايا الأمة العربية والإسلامية لايقوون على مثلها . بل قد لايستحون أن يقوموا بنقيضها !
مناسبة هذه المقدمة هي انضمام بطل غير عربي جديد لسجل المواقف المشرفة خلال السنوات القليلة الماضية لنصرة القضية الفلسطينية وإحياء أمل إعادة الوقوف والنهوض والنطق بكلمة ( لا ) أمام فزعة التطبيع والقبول والتعايش مع الاحتلال الصهيوني بعدما عمّت حالة الانبطاح والانهزام العربي مناحي كثيرة في فكر وتوجهات وسياسات أنظمتنا الحاكمة .
ففي بدايات الهجوم الصهيوني على غزة ، وأمام حالة التواطؤ العربي والفلسطيني ( دجاج رام الله ) ؛ انتفض الرئيس الفنزويلي هوغو تشافيز في السادس من يناير 2009م وندد بهذا العدوان الغاشم ووصف إسرائيل بأنها دولة ” قاتلة ” وضالعة في عملية ” إبادة ” . و يجب إحالة رئيسها ” على المحكمة الجنائية الدولية ” في لاهاي . ولم يقف عند هذا الحد ، بل قام بطرد السفير الإسرائيلي وموظفيه من فنزويلا وأصدرت وزارة الخارجية عندهم بياناً مقتضباً قالت فيه : ” في هذا الوقت المأساوي الذي يثير السخط ، يعرب شعب فنزويلا عن تضامنه المطلق مع الشعب الفلسطيني البطل”.
لم يمض على ذلك كثير وقت حتى بهر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان في الثلاثين من يناير 2009م أنظار العالم بانسحابه من مؤتمر دافوس العالمي الذي يشارك فيه قادة عالميون سياسيون واقتصاديون ، وغادر الزعيم التركي بغضب قاعة كان يجرى فيها في دافوس نقاش حول الوضع في غزة، آخذا على المنظمين منعه من الكلام بعد كلمة طويلة ألقاها رئيس الكيان الصهيوني شمعون بيريز. وبعد أن طلب رئيس الجلسة من أردوغان التوقف عن الحديث بدعوى أن وقت الجلسة قد انتهى، وجه المسؤول التركي انتقاداً لاذعاً إلى بعض الحضور الذين صفقوا لكلمة بيريز، قائلاً: “عار عليكم أن تصفقوا لهذا الخطاب، بعد أن قُتل آلاف الأطفال والنساء على يد الجيش الإسرائيلي في غزة.” وغادر المنصة ومنها إلى بلده .
البطل غير العربي الجديد الذي انضم إلى هذا السجل المشرف هو الرئيس البرازيلي لولا داسيلفا الذي قام في منصف الشهر الحالي بزيارة إلى الكيان الصهيوني في محاولة منه لدفع عملية السلام لكنه خلال هذه الزيارة رفض بإباء نادر زيارة قبر ثيودور هيرتزل لوضع زهور على مؤسس الحركة الصهيونية رغم الضغوط الكبيرة التي مورست عليه من قبل مضيفيه الصهاينة أثناء زيارته الرسمية لتل أبيب ! بل لم يكتف بذلك الرفض وإنما قام الرئيس البرازيلي نفسه أثناء زيارته للأراضي الفلسطينية بوضع أكليلاً من الزهور على ضريح الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات .
يحصل هذا بينما سجل الخزي والعار العربي يزداد اتساعاً في هذه الأيام بشكل رهيب وتكاد أسماء القادة والمسؤولين العرب تتزاحم فيه من كثرتها ، سواء من تُحفر شخوصهم وأسماؤهم فيه بالسر أو بالعلن ، فيما يشبه حالة من التنافس المحموم على هذا السجل المشين بينما تركوا سجل الشرف والعزة لغيرهم .