اللهم حوالينا لاعلينا ، هو أحد العناوين التي تصلح أن نصف به الوضع الحالي على الساحة المحلية ، كثرة ممن يطالبون بسيادة القانون والاحتكام إليه لايترددون عن مخالفته إذا لم يتفق مع ما يريدون . وكثرة يقيمون الدنيا ولايقعدونها بشأن حرية التعبير والكلمة ولكنهم من أوائل من يفرطون فيها إذا لامستهم أو تعلقت بهم ولاينشرون حتى ردود القراء على كتاباتهم . وكثرة يدعون إلى سطوة أحكام القضاء بعد الاحتكام إليها لكنهم يرفضون أحكامها إن صدرت ضد ما يتوقعون . وكثرة يدعون إلى أدب الحوار ومراعاة قواعده فإذا لم يتوافق مع أهوائهم ضربوا به عرض الحائط .
فمثلاً تقوم وزارة الشؤون الاجتماعية ( إحدى مؤسسات الدولة ) بحلّ مؤسسة حقوقية فتقوم هذه المؤسسة بالإعلان عن انعتاقها عن تبعية وإشراف تلك الوزارة وتمارس عملها في الداخل والخارج كأن الحل لم يكن .
تنشأ لجان تدافع عن حقوق العاطلين وتراقب توظيفهم وتتحدث باسمهم وتسيّر اعتصامات ومسيرات تدعو إلى الشفافية وتطبيق القوانين والمعايير في التوظيف لكنها لم تهتم باستخراج ترخيص – حسب القوانين والمعايير أيضاً- لممارسة نشاطها وعملها النبيل . أو تنشأ لجان للدفاع عن قضايا النساء في المحاكم ورصد ( مخالفات أو تجاوزات ) للقضاة وتدعو إلى عدالة الأحكام وتغيير القوانين من دون أن تكتشف أنها لجنة غير مرخصة أصلاً وغير مؤهلة حسب القانون لذلك .
أوتخرج مسيرات أو اعتصامات – تزيد ولاتنقص ، وتكاد تصبح شبه أسبوعية – تهتف باسم القانون وتنادي لوقف تجاوزات ومخالفات ومراعاة حقوق لكنها لاتنتبه إلى فوضى خروجها دون سابق ترخيص وترتيب – يتطلبه أيضاً القانون – وما تحدثه من إرباك وتعطيل ، وهكذا احتفالية لاتخلو من غرابة تحتاج إلى وقفات متأنية حتى لانكتشف متأخرين أننا نريد حكومة أشخاص وأهواء لاحكومة قوانين .
نكرر مرة أخرى وأخرى أن السماح لفرد أو لجماعة أو لمؤسسة ثقافية أو دينية أو حقوقية مهما علت مكانتهم القيام بفرض مرئياتهم وأعمالهم – بغض النظر عن صوابيتها أو خطئها – دونما ترخيص أو إطار قانوني يعطيها التفويض اللازم لممارسة أنشطتها سواء في الداخل أو الخارج ، وسواء في المسيرات أو الاعتصامات ، وسواء في البيانات أو المنشورات في دولة مانفتأ أن ندعو ونطالب لتكون دولة مؤسسات وقانون نكون كمن ينتقص من الدولة ويسلب من هيبتها. أعرف أن البعض قد يحسب ذلك من قبيل الاستعداء ؛ ولكن قبل أن يطلق حكمه فليفكر لو أن لديه مؤسسة خاصة به أو حتى في جمعيته ؛ هل يرضى أن تنشأ داخلها لجان ( أي لجان) دون رضاه ؟ أو تقوم هذه اللجان أو أفراد في المؤسسة بالتحريض على أنظمة مؤسسته وتجميع عدد من منتسبيها في اعتصامات ومظاهرات على هذا النحو ؟ أو تمارس أية أنشطة من دون موافقة مسبقة ؟ أو تنقل صورة سيئة عن إدارته أمام الجمعيات والمؤسسات الأخرى ؟ بعض المؤسسات والجمعيات لاتتردد من أجل المحافظة على هيبة إدارتها وبقاء سيطرتها عن اتباع قائمة طويلة عريضة من اللوائح التظيمية والإجرائية والتأديبية ، ولاتجد غضاضة حتى من التجسس على أفرادها ! أعتقد أن أمراضاً كثيرة سيكتشف بعضنا أننا نحاربها في الخارج دون أن نولي لها بالاً في داخلنا على اعتبار اللهم حوالينا ولاعلينا .