عرف أرسطو الطبقة الوسطى في المجتمع بأنها ” المقياس والدعامة الأساسية للديمقراطية. وقال أن أفضل مجتمع سياسي يتشكل دائما عن طريق المواطنين من الطبقة الوسطى ” وقد اشتدّ عود هذه الطبقة في البحرين وعموم دول مجلس التعاون الخليجي في الثمانينات إبان الطفرة الاقتصادية التي اجتاحت تلك الدول وأسهمت في رفع المستويات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية لأعداد كبيرة من مواطنيها صاروا مع مرور السنوات عماداً لهذه الطبقة الوسطى التي ظلت تلعب دور التوازن الاجتماعي بين الفقراء والأغنياء .
غير أنه مع انحسار مردودات الطفرة الاقتصادية وازدياد مظاهر البطالة ومعدلات الفقر في المجتمع بدأ الإحساس بضعف الطبقة الوسطى وتنامي تآكلها لصالح أقلية غنية مرفهة وأكثرية فقيرة محرومة ، بل وأصبحت هذه الطبقة المتوسطة تقترب من الطبقات القريبة من خط الفقر .
ونخشى أن بعض السياسات التي تعالج تحسين المستوى الاجتماعي وتخفيف الأعباء المعيشية والمعاناة التي تواجهها الطبقة الفقيرة أو طبقة محدودي الدخل ؛ تسهم بشكل أو آخر في تزايد تآكل الطبقة الوسطى وتراجعها في البحرين . إذ يلاحظ منذ بضعة سنوات صدور العديد من القرارات والمكرمات التي تصب في غالبها نحو صالح الطبقة الفقيرة بينما لا تحصد منها الطبقة الوسطى إلا القليل . فزيادة الحد الأدنى في رواتب موظفي القطاع العام تبعه زيادة في سلم رواتب الدرجات الاعتيادية ( وهي عشر درجات ) فقط بينما تم استثناء الدرجات التخصصية والتنفيذية ومن في حكمها من أية زيادة . والأمر نفسه تم اتباعه عندمــا أقرّ ديوان الخدمــة المدنية مكافأة الأداء الســنوي ( بونس ) لموظفي الدولة واستثنى منهم درجات موظفي الطبقة الوسطى. والأمر نفسه أيضاً يتم اتباعه في مسألة الإعفاءات .
مؤخراً قامت وزارة الأشغال والإسكان باستثناء الطبقة الوسطى من خدماتها وقررت عدم إدراج طلباتهم في قوائم الانتظار لديها بعدما فضلت تخصيصها لذوي الدخل المحدود ورأت أن تقوم بتسويق بيع فلل للطبقة الوسطى بالتعاون مع البنوك التجارية كبديل عن حرمانهم من وحـداتها وقروضها الإسكانية . وتبعاً لذلك أيضاً سيتم حرمـان الطبقة الوسطى عن علاوة استئجار سكن لمن طالت مدة انتظارهم عن خمس سنوات ، وهكذا دواليك .
إن استمرار الاهتمام على هذا النحو بتحسين مستويات الطبقات الفقيرة – وهو أمر مطلوب – دون أن يقابله دعم للطبقات المتوسطة التي تعاني من مشكلات ارتفاع الأسعار وغلاء المعيشة وتضخم قيمة العقارات بأنواعها المختلفة مع ثبات دخلها دونما أية تحسينات تساعدها على الصمود والبقاء في مصاف مسميات الطبقة التي تحمي التوازن الاجتماعي ؛ حتماً سيكون له تأثيرات سيئة على التنمية الاقتصادية المنشودة .