راصد

تجـديــد الهيبــة

في عام 1976 صدر المرسوم بقانون رقم (15) بإصدار قانون العقوبات الذي ضم أكثر من (400) مادة تناولت مختلف أنواع الجزاءات والأحكام المتعلقة بالجرائم والمخالفات التي كانت تحصل في المجتمع البحريني في ذاك الوقت . أي قبل حوالي (31) سنة من الآن . ولم تجر عليه  إلا بعض تعديلات  لبضع مواد قليلة جداً ومتفرقة عبر هذه الثلاثة عقود الماضية حيث تطوّرت خلالها الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية في البحرين وتعاقبت أجيال ونشأت اختلافات ونزاعات وبرزت ظواهر عديدة وجرائم متنوعة ومبتكرة ، جلّها لم تكن موجودة أو معروفة آنذاك دون أن تمسّ أيدي المشرّعين قانون العقوبات هذا بتغييرات تجدّد له عافيته وتحفظ له هيبته أمام مختلف صنوف الجرائم والظواهر التي لا يستطيع أحد أن يخفي قلقه إزاء تناميها على النحو الذي لا تقوى عقوباتنا على إلجامها والحـد منها بعد أن أفضى تقادمها إلى أن تكون غير رادعة .

ويوماً بعد يوم نكتشف هذه الحقيقة خاصة عندما تذهلنا بعض الأحداث المفزعة والجرائم والآثار الناتجة عن جسارتها وفداحتها وغرابتها على المجتمع البحريني ثم تصدمنا وتذهلنا كذلك العقوبات المحكوم بها على مرتكبيها مما لا تحقق ردعاً ولا تمنع جرماً وتفتح الباب واسعاً ( للدوس ) على هيبة الأمن والاستقرار بمختلف أنواع الإساءات وفنون الجرائم والمغامرات ، لعلّ ليس أولها – ولن يكون آخرها إن لم يتغيّر الحال – مسألة البلاغات الكاذبة بوجود قنبلة التي نالت جامعتين خلال أسبوع واحد من قبل أحد الذين تطوّعوا لخدمة الإسلام ، بتلقيب نفسه ( خادم الإسلام ) بينما الإسلام بريء من مثل هذه التصرّفات ، ويحتاج إلى خدمات كثيرة ليس منها إطلاقاً ترويع الآمنين وإثارة الهلع والفزع . فهذا المغامر الملقب نفسه ( خادم الإسلام ) إن تم القبض عليه ، وإن لم يُعف عنه فيما بعد ؛ ففي الغالب أن عقوبته ستكون مصدر إحباط لطرفين : أولهما : المئات أو الآلاف من الطلاب  الذين تم إجلاؤهم من الجامعتين بسبب بلاغه الكاذب . وثانيهما : جهود وتحريات النيابة العامة ووزارة الداخلية التي أدت إلى القبض عليه . وربّما تكون حافزاً لآخرين لتكرار مثل هذا العمل في المدارس والجامعات وغيرها بدافع الفشل أو إلغاء امتحانات أو بدافع اللهو أو لأجل أي غرض آخر طالما أنه في النهاية ستكون قيمة هذه المغامرة عقوبة لا تُحدث ذات أثرها قبل ثلاثة عقود ( تاريخ صدور قانون العقوبات ) .

بل ويزيد الطين ( بلّة ) أن حتى هذه العقوبات الهزيلة لا تصدر أحكامها إلاّ بعد مرورها بدورة إجراءات طويلة في النيابة العامة وأروقة المحاكم تستمر أشهراً وربما سنوات خفّت فيها فداحة الجرم ونسيها الناس . في الحقيقة لقد  أصبح الوقت أكثر إلحاحاً لإعادة النظر قي قانون العقوبات لأنه على ما يبدو أن تراخيها وعدم ردعيتها هي الأرضية التي جرّأت الكثيرين على ترويع الآمنين والاعتداء على الأعراض والأموال والإساءة حتى للدين وسنّة الرسول صلى الله عليه وسلم والتمادي في الجرائم والتنوع والابتكار فيها باعتبار أن من أمن العقوبة أو استرخصها أو استسهلها أساء الأدب .

اسـتفسـار :

جاء في الزاوية الصحفية المميزة بعنوان ” الثقافة الأمنية ” المنشورة يوم أمس (السبت )  موضوع البلاغ الكاذب ، وقسّمه إلى ثلاثة أقسام ، وهي : أ- جريمة الإبلاغ كذباً عن عمل إرهابي . ب- جريمة الإبلاغ كذباً عن وقوع كارثة . ج- جريمة الإبلاغ كذباً ضد أحد الأشخاص .  وقد جاء أن العقوبة المقررة بشأن البند ( أ)  نظمتها المادة (19) من القانون رقم (58 (لسنة 2006 بشأن حماية المجتمع من الأعمال الإرهابية ونصت على أنه ” يعاقب بالحبس مدة لا تقل عن سنة وبالغرامة التي لا تجاوز خمسة آلاف دينار كل من أبلغ كذباً عن عمل أو جريمة من الجرائم المنصوص عليها في هذا القانون مع علمه بأنها لم ترتكب ” فيما نظمت عقوبة البند (ب) المادة (218) في قانون العقوبات – الذي تكلمنا عن قدمه –  والتي نصت على أنه “يعاقب بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبالغرامة التي لا تجاوز خمسين ديناراً أو بإحدى هاتين العقوبتين من أخبر إحدى الجهات الإدارية أو أحد المكلفين بخدمة عامة بأي طريقة عن وقوع كارثة أو حادثة أو خطر وهو يعلم أنه لا وجود له” وأترك للقراء الكرام مقارنة مقدار الفرق بين عقوبتين : إحداهما صدرت منذ حوالي ثلاثة عقود والأخرى صدرت في العام الماضي ، والإثنتان معمول بهما رغم عدم وضوح الفرق بين مضمون ونتيجة الجريمتين . ونسأل النيابة العامة أو وزارة الداخلية عن تصنيف البلاغين الكاذبين الذين حصلا في الجامعتين بالأسبوع الماضي : هل هما يتبعان البند ( أ ) أو البند (ب ) ؟! وبالتالي أي العقوبتين ستطال الفاعل ؟!

أضف تعليق