راصد

أساتذة جامعة البحرين (2-2)

لا أملك إحصائية عن عدد الأساتذة الذين تسرّبوا أو لنقل هربوا إلى القطاع الحكومي أو القطاع الخاص أو إلى التقاعد المبكر أو غيرها من المجالات بعدما اكتشفوا أن وظيفتهم كأساتذة في جامعة البحرين لم يعد ما يتقاضونه من راتبها لا يتناسب مع تكاليف الحياة المعيشية ومصاعبها ، ولا يتناسب مع المكانة الاجتماعية المرموقة المفترضة للأستاذ الجامعي ، ولا يتناسب مع ما كانوا يتمنونه أو يطمحون إليـه من تقدير  يتوازى مع تأهيلهم ودراسـتهم التي أمضوا فيها ما يقارب الثلاثة عقود ، هي أجمل سني حياتهم وأفضلها حتى نالوا أعلى الشهادات الجامعية ليعودوا للعطاء برواتب هي أقل من المدراء أو رؤساء الأقسام في أية جهة حكومية ( ودعوا القطاع الخاص ) حيث يبدأ مشوار الأستاذية بمسمى أستاذ مساعد براتب قدره (972) ديناراً فقط لينتهي بعد سنوات من التدريس في أروقـة الحرم الجامعي وإعــداد  البحـوث العلميـة المحكمة إلى نيـل رتبة الأسـتاذيـة ( البروفيسور ) التي يبدأ راتبه حينها ( 1333) فقط !! وهذا الراتب لا يحقق الحدّ الأدنى من المعيشة المناسبة واللائقة للأستاذ الجامعي ، ولا يلبي مستلزمات أسرته وحاجاتها الاجتماعية خاصة أن منزلة الأستاذية تستوجب حدّاً معيناً من سنوات التدريس وحدّاً معيناً آخر من البحوث والدراسات لا يتأتى إلاّ من خلال التفرّغ والاستقرار النفسي والاجتماعي  التي نخشى أن نقول أن الترقية وزيادة الراتب صار دافعها الوحيد وغالباً ما تظهر منزوعة الإبداع ومحاطة بالإحباط ومصيرها الحفظ في الأدراج .

ومما زاد الأمر سوءاً أن كثرة من الكوادر الوظيفية في الدولة بدأت في الحراك والخروج من طور الجمود بينما ظل حال أساتذة الجامعة يراوح مكانه من غير بارقة أمل تلوح في الأفق القريب، وقد  يزداد الأمر تردياً وسوءاً عندما نقارن  بين ما يحصل عليه الأستاذ الجامعي عندنا وبين وما يتقاضاه أقرانه في دول مجلس التعاوني الخليجي الذين ليس من قبيل المصادفة أن تجد بعضهم كانوا زملاء دراسة في جامعة واحدة في أوروبا أو أمريكا وأصبحوا زملاء بعد تخرّجهم في المهنة نفسها  كلّ في بلده لكن الرواتب فرّقت بينهم كثيراً على هذا النحو المجحف في حقهم الذي ليس من الصحيح استمراره . 

إن وظيفة الأستاذ الجامعي لابد أن تعلو فوق كل الوظائف والمهن الأخرى، لأن الأستاذ الجامعي بمثابة الركن الأساس لتجويد مخرجاتنا التعليمية التي هي بوابة مستقبلنا ، ودور هذا الأستاذ لا يتوقف – كما يتصور البعض – على محاضرات يلقيها في أروقة الحرم الجامعي ، وإنما دوره يتعدّى إلى تشكيل مختلف أنواع الرؤى السياسية والاجتماعية والسلوكية لدى هذه الفئات العمرية التي تسلّم له عقولها وأفئدتها ليصوغها ويبعث فيها الحيوية والنشاط ويحوّلها إلى أدوات فاعلة في بحرين المستقبل. ولاشك أن هذه الأدوار والمسؤوليات الكبيرة لا يمكن أن تتحقق على أرض الواقع ما لم تُهيأ بيئة أكاديمية مناسبة تحتوي على الإمكانيات الضرورية اللازمة لضمان سلاسة واستمرارية أداء وعطاء الأستاذ الجامعي ، دون أية هموم مالية واجتماعية قد تقف حائلاً بينه وبين الاستفادة من عطاءاته وإبداعاته في مجال لا يحتمل أن نتركه مفتوحاً باستمرار لمزيد من الهجرة والتسرّب من جامعة البحرين أو البحث عن مصادر رزق أخرى كالتعامل في العقار أو الأسهم أو مكاتب استشارات أو ما شابهها من أعمال لم يلجأ لها أساتذتنا الأفاضل إلاّ لقصور في مداخيلهم وعدم قدرتنا على كفايتهم حاجتهم أو وضعهم على مايستحقونه من تقدير مالي وأدبي . نريد لجامعتنا الوطنية أن تحتفظ برصيدها في السبق والأفضلية وتكون مركز جذب واستقطاب لمختلف الكفاءات والخبرات الجامعية ، داخل البحرين وخارجها .

أضف تعليق