يقول الأخ الأوسط لأم لديها ثلاثة أبناء : أنا دائماً مظلوم ! فأمي حين تأمرنا فإنها تقول : ” الأخوين الأكبرين خمّو الحوش ” أو تقول ” الأخوين الأصغرين رتبوا الصالة ” وهذا يجعلني أعمل دائما لخدمتها في الحالتين ( خمّ الحوش وترتيب الصالة ) بينما الأخوين الأصغر والأكبر يحصل كل منهما على فترة راحة ولا يشتغلون إلا ّ في حالة واحدة !!
وهذا بالضبط ما يحصل في مجتمعنا للطبقة الوسطى التي تعاني خلال السنوات الأخيرة من بعض السياسات والقرارات التي تعالج تحسين المستوى الاجتماعي وتخفيف الأعباء المعيشية والمعاناة التي تواجهها الطبقة الفقيرة أو طبقة محدودي الدخل فتسهم بشكل أو بآخر في تضرّر الطبقة الوسطى وتزايد تآكلها وتراجعها حيث أنها اعتادت أن تكون على موعد متجدد مع الاستثناء من أي زيادات أو امتيازات أو تسهيلات أو علاوات تهدف إلى تنمية مداخيل المواطنين وتعديل سويّة معيشتهم ودعم صمودهم تجاه ارتفاع تكاليف الحياة المعيشية ومواجهة ( غول ) الغلاء الفاحش الذي يتعسّر في ظل الظروف الراهنة القول بأن الطبقة الوسطى نجت أو تجاوزت أو لا تتأثر بمحنة ازدياد الصعوبات المعيشية فيُصار إلى توجيه الاهتمام أو جلّ الاهتمام إلى الطبقات الفقيرة ومحدودي الدخل من أجل تحسين مستوياتهم الاجتماعية وتخفيف الأعباء عنهم والمعاناة التي يواجهونها في خضم هذه الحياة الآخذة تكاليفها في الارتفاع بينما يتم حرمان الطبقة الوسطى من هذا الاهتمام .
كانت أكبر الخطوات المؤثرة في الإضرار بهذه الطبقة حينما حُرموا من الخدمات الإسكانية ( وحدات وقسائم وقروض ) بتحديد سقف معين للمستفيدين من تلك الخدمات بحيث لا يجاوز راتبهم الشهري الـ ( 1200) دينار رغم أن الارتفاع الهائل في سوق العقارات والبناء لايسمح لمن مداخيلهم أكثر من هذا المبلغ المحدد بامتلاك أو شراء أو أي استفادة معتبرة ومناسبة تجعل من استثنائهم أمراً صحيحاً ومقبولاً . ثم جاءت علاوة الغلاء البالغ قيمتها (50) ديناراً فأعطيت لمحدودي الدخل ممن لاتزيد رواتبهم عن (700) دينار ، وبالتالي أيضاً استثناء هؤلاء أصحاب الطبقة الوسطى . واعتباراً من بداية العام القادم سيزيد الحد الأدنى للرواتب وكان قبل حوالي عام ( أقل أو أكثر ) تمت زيادة رواتب الوزراء ( الحد الأقصى ) وهكذا يضيع الوسط بين الأدنى والأقصى .
الخوف ، كل الخوف الآن في ظل الكلام عن إعادة مراجعة سياسة الدعم الحكومي لبعض الخدمات والسلع أن تتمخّض تلك الدراسات والمراجعات عن استثناءات جديدة تطال هذه الطبقة المسكينة ( الوسطى ) فتحرمها أيضاً من أشياء وتٌضيف إليها أعباء وتعزلها عن واقع معيشي قاسٍ جداًّ يصعب التصديق أنهم في منأى عن آثاره وتداعياته حتى يجري على الدوام استثنائهم وزيادة الظلم عليهم باعتبارهم الأخ الأوسط بين ثلاثة أبناء ..