راصد

تعطّل البوصلة

أكثر مايثير الحزن والإحباط خلال السنوات القليلة الماضية في النشاط الحقوقي الذي تتولى القيام به بعض مؤسسات المجتمع المدني هو تحوّلها إلى ( دكاكين ) تبيع الطائفية وتروّج لها وتفرز مواقفها على أساسها حيث لايحتاج المرء كثيراً من العناء حتى يكتشف اتجاه بوصلة كل جمعية أو مركز أو لجنة تعنى بحقوق الإنسان . فيُصار مادام الوضع كذلك ؛ إلى هدر حقوق وانتهاك مباديء وذبح قيم ما كان لها أن تتيه لو حافظت هذه المؤسسات الحقوقية على سلامة بوصلتها وأبعدت أبرتها المغناطيسية عن التقوقع الطائفي أوالمذهبي ، وقصرت حراكها عليه.

فلقد صار من الشائع في أيامنا هذه أن ترى فزعات بسبب أمور معينة تقوم لها الدنيا ولا تقعد ،  وتخرج لها مسيرات وتصدر بها بيانات وتُنظّم عنها اعتصامات وتتضامن لها جمعيات ولجان حقوق الإنسان ولجان شفافية وحريات ويتسابق لأجلها خطباء ومحامون وتتشكل هيئات وفرق للدفاع عنها و… إلخ.  ثم أمام أمور معينة أخرى شبيهة بتلك ولا تختلف عنها ؛ تمرّ بلا فزعات  مماثلة ويكون ملاذها الصمت المريع الذي غالباً لا يفسر غموضه سوى طأفنة أنشطتها وثبات بوصلتها على اتجاه معين لاتحيد عنه ولاتتبدل .

الأمثلة في هذا الصدد ليست قليلة . فهنالك التعامل مع الاعتقالات التي – بدون الدخول في التفاصيل – من السهولة فرز أي من المعتقلين تصطف معه تلك المؤسسات الحقوقية وتجند كل طاقاتها وإمكاناتها للوقوف معهم بينما معتقلين آخرين قد يتم تصنيف اعتقالهم إلى جانب المحظوظين بالفزعات لكنهم يبقون بلا بواكي لهم!

وهنالك التقارير التي تصدر عن البحرين ؛ فإن كانت سيئة تلقفتها مؤسساتنا الحقوقية واستقبلتها كمن كان يبحث عن ضالته ، فتتعاطى معها باعتبارها مسلَمات لايعتريها النقص أو لايدخل إليها الشك أو لاتختلط دوافعها بمعايير أخرى ؟ غير أنه إن صدرت تقارير إيجابية وحسنة عن البحرين فإن تلك المؤسسات تغض الطرف عنها و( تطنّشها ) أو تنبري للتشكيك في مصادرها والمعلومات والبيانات التي استندت عليها أو ما إلى ذلك من الطعونات التي تقلل من الإنجاز وتحجَم من شأنه ، ليبقى السؤال : مالفرق بين التقريرين ؟! أو بصورة أدق يكون السؤال : لماذا الترحيب والاستبشار وتسليط الأضواء حينما تكون التقارير علينا والإهمال والتعتيم والتشكيك حينما تكون لنا ؟!

وفي خضم نماذج هذه المفارقات يبرز أيضاً تعامل هذه المؤسسات الحقوقية مع حريات النشر والصحافة حيث يمكنهم أن يعتبروا نقد جهات بعينها نقداً محترماً وبناء حتى لو امتلأ كذباً وتدليساً أو طفح قذفاً وسبّاً بينما يُعدّ نقد جهات أخرى نقداً قبيحاً وهدّاماً حتى لو جاء في إطار من الأخلاق والنبل والرصانة وكذلك (الرزانة ).

كل أمنياتنا لأبي جبران ، الأستاذ الفاضل أنور عبدالرحمن رئيس تحرير أخبار الخليج أن يجتاز محنة تعطّل بوصلة مؤسساتنا الحقوقية .

……………………………………

رحمها الله

انتقلت إلى رحمة الله تعالى يوم الجمعة الماضية الفاضلة المربية آمنة بنت الوالد الشيخ الفاضل عبدالرحمن الجودر رحمه الله . وذلك بعد معاناة مع المرض استمرّت عدّة سنوات كانت خلالها مثالاً للصابرة المحتسبة ، وكان لسانها رطباً بذكر الله لهّاجاً بشكره على نعمه وأفضاله حتى توفاها الله . نسأل المولى عز وجل أن يتغمّدها بواسع رحمته وأن يفتح لها جنانه وأن يلهم زوجها الشيخ العزيز الدكتور عبدالرحمن الفاضل وأهلها وذويها الصبر والسلوان . فقد ودّعت دنيانا قريبة من ربّها ، عابدة ذاكرة له في السرّاء كما في الضرّاء .

أضف تعليق