راصد

ثمانية دنانير فقط

نعم ، ثمانية دنانير فقط هي ما يتبقى للسيد أ. م . س من راتبه التقاعدي ؛ وذلك ليس خيالاً ولا مبالغة ، وإنما هذا ما تفصح عنه الأوراق والمستندات ، وبالذات شهادة المعاش الصادرة له من إدارة علاقات المشتركين بالهيئة العامة لصندوق التقاعد !

تقول القصة أن أحد الأشخاص ، وهو  السيد أ. م . س من ذوي الدخل المحدود ، ممن ليس وراءهم أو أمامهم إلا وظيفتهم البسيطة التي يتكسبون منها رزقهم وقوت عيالهم ويستعين بدخلها على مصاعب دنياه ويتدبر عن طريقها معيشته . شاء القدر أن يتعرّض صاحبنا لجلطة في قلبه أقعدته فراش المرض لم يعد بعدها قادراً على العمل فتم إحالته على التقاعد بعد أن أمضى فيها – وظيفته- جلّ حياته وأفنى في رحابها سني عمره وزهرته حيث قضى أكثر من (30) عاماً أعطى خلالها من صحته وحيويته بكل اقتدار وأمانة ، آنذاك كان يبني أحلامه ويرتب مستقبل أبنائه ويمكن أحفاده ، ليضمن لهم حياة كريمة وسكنا لائقاً وتعليماً مناسباً قبل أن تتوقف عجلات نشاطه ويغيب عن وهج الوظيفة ويُركن في طي النسيان والإهمال فلا يكون حينها الزمان زمانه ولا المكان مكانه .

وكان صاحبنا السيد أ. م . س  قبل تقاعده ببضع سنين قليلة ، وحينما ضاقت به السبل مثلما تضيق على الكثيرين غيره من ذوي الدخل المحدود ؛ اتجه إلى أحد البنوك لفكّ كربه و”عازته” ببضعة آلاف من الدنانير يؤثث بها منزله ويشتري له سيارة من دون أن يدري أن هذا القرض الذي حَسِبه فرجاً وحلاّ سيصبح في يوم من الأيام غولاً يقضّ مضجعه ومارداً يقضي على اليابس والأخضر في حياته . ولم يخطر على باله أن الابتسامات العريضة التي استقبلته في البنك عند بدء اقتراضه ستصرف وجوهها عنه وتمتنع حتى عن مقابلته لمساعدته لإعادة جدولة قرضه .

يستلم صاحبنا السيد أ. م . س معاشاً تقاعدياً قدره (452)  ديناراً يخصم منه قسط استبدال قدره (123) ديناراً كما يستقطع البنك قسطاً قدره (331) ديناراً . أي أنه بعملية حسابية بسيطة نقول : 452-123-321= 8 دنانير هي صافي معاشه فقط . وأترك للقراء الكرام حرية التفكر والتأمّل في حال صاحبنا مع هذه الثمانية دنانير !!! ولا حول ولا قوة إلا بالله .

أنه لأمر محزن أن يشعر الإنسان بأنه – بعد هذه السنين من العمل – مركون ، لا فائدة منه ، وأن عليه أن يتدبر باقي أيام حياته في استعطاف الجمعيات والصناديق الخيرية بشأن بضعة دنانير يقتات منها ، هو وأسرته ؛ لاتسد جوعه ولاتلبي حاجته . هذه الفئة العزيزة من أبناء الوطن الذين خدموا بلادهم بإخلاص وتفان خلال فترة عملهم ، ضحوا بكل غال ونفيس ؛  تركوا في تالي أعمارهم  للعوز والحاجة ، وصاروا يواجهون أعباء تحمَل نفقات معيشتهم وإيواء أسرهم لوحدهم دونما مساعدة إلا من هذا الذي يسمونه ( المعاش التقاعدي ) حيث لا يسمن ولا يغني من جوع ، ولو كان هذا الأمر قد حدث لهم إبان عنفوانهم وغضاضة أجسادهم ونضارتها لاستطاعوا التكسَب في أعمال ومشروعات تزيد من مداخيلهم وتفكَ شيئاً من عازتهم وحاجتهم .

ثمانية دنانير لا غير هي التي يصفى عليها شهرياً هذا المواطن في تالي عمره ، بذل مع البنك محاولات مستميتة لتخفيف قسطه وزيادة أمده ( إعادة جدولة القرض ) فلم تفلح لأن بنوكنا التجارية تخلوا قواميسها من معاني الرحمة والإنسانية ، ولا يوجد عندها شيء اسمه ” بلاش ” أو ” صدقة ” ولاتفرّق بين البائسين والمعسرين وبين الميسورين . ونخشى أن نقول أن صاحبنا أ. م. س ليس وحيد زمانه ؛ فغيره ومثله كثيرون راتبهم الشهري لايعدو بضعة دنانير يشكون حالهم ويندبون حظهم وقد يكلمون الحيطان و” للطوف ” لشدة عوزهم وضيقهم . وكان الله في العون .

أضف تعليق