هوس الضجيج والبحث عن الشهرة مرض قديم مرتبط بتطلعات وسلوكيات النفس البشرية التي عادة ما تأنس بالمدح والإطراء باعتباره أحد الحقوق اللازمة المترتبة على أي أداء أو إنجاز يقوم به الشخص ، وهو في هذه الحالة ( الفرح بالمدح والإطراء ) يُعتبر أمراً صحياً وطبيعياً ما لم تجنح تلك النفوس إلى اصطناع إنجازات واهية وتكلّف بطولات زائفة تجعل أصحابها أسارى لكاميرات الصحافة والتلفاز ، يدورون معها حيث تدور ، ويأملون منها متابعة حركاتهم وسكناتهم، وحينها فقط نستطيع أن نقول أن فلاناً قد أصابه مرض أو هوس الضجيج والبحث عن الشهرة .
ولا يحتاج المرء كثير عناء في وقتنا الحاضر للتعرف على هؤلاء الذين باتت أعراض هذا المـرض تظهر عليهم مع اقتراب اسـتحقاقات الانتخابــات النيابية القادمة ، وهي حالة مرضية تستدعي بذل الجهود للحد من تفاقهما وإلاّ سيظهر بيننا مثل صاحبنا “أبوزعبل ” وهو شخص حقيقي قرأت قصته في أحد المواقع الإلكترونية ، حيث كان “أبو زعبل” – وهذا اسمه الحقيقي – رجلاً أميًا جاهلاً في إحدى القرى الريفية بإحدى الدول العربية ، وكان كثير الادعاء، حتى صار مضرب المثل في البطولات الزائفة، وكان يرى نفسه شخصية مهمة جدًا في البلدة ولا يعرف الناس قيمتها، وكان يعاني كثيرًا من تجاهل الناس له وعدم ذكرهم لبطولاته وأمجاده التي لا يراها سواه، بينما يذكرون بفخر العديد من أبناء القرية المشاهير من الوزراء والعلماء والجراحين العالميين وغيرهم. ولما ضاق “أبو زعبل” ذرعًا بهذا التجاهل، هداه شيطانه إلى فكرة مثيرة يجذب بها انتباه الناس ويصبح أحد مشاهير القرية رغمًا عن الجميع، فتراهن مع بعض شباب القرية على أن يجعل الناس تتحدث باسمه وتشير إليه بالبنان، وفي عصر اليوم التالي، فوجئ الناس بـ”أبوزعبل” يجري في طرقات القرية عاريًا تماماً كيوم ولدته أمه، ويجري وراءه الصبيان بالحجارة وأعواد الخيزران، والناس في دهشة وذهول من جرأته وتهوّره.
الذي لا شك فيه أن “أبوزعبل” قد كسب الرهان بالفعل، وحقق مبتغاه، وسارت بذكره الركبان، ودخل تاريخ المشاهير من أبناء القرية، وإن كان لم يدخلها من باب العلم والعلماء، إنما من باب الحمقى والمجانين. ولذلك نأمل في الأيام والأسابيع المقبلة ألا نرى عندنا في البحرين – بسبب الانتخابات – أبوزعبل آخر .
غير أنه من المهم جداً التدقيق في تكييف تلك العوارض المرضية حتى لايختلط فيها الأصحاء بالمرضى ، وحتى لاتضيع الأسماء التي هي أرقام في أوساطها أمام الأصفار في مجتمعاتها . فهنالك شخصيات ورموز بارزة قبل أن يُوجد برلمان ، ويُشار إليها بالبنان والفضل ، وُيشهد لها بالحكمة والإخلاص ، لايتخلّون عن الناس ولايستغني عنهم الناس .