راصد

حتى لا نهمّش أدوار مساجدنا ومنابرنا بأيدينا !!

فيما مضى من الزمان كان دأب الإعلام الغربي استخدام وترديد مصطلحات معينة ، ويحاول بكل جهده الترويج لها وإشاعتها بغية أن تكون حقائق مسلـّم بها في التعامل والتداول في العالم  ، وأن تكون نهجاً ثابتاً في الفكر والثقافة الدولية .  ومن هذه المصطلحات ما كان يُسمى ( الإسلام السياسي ) ؛ وكالعادة تلقف بعض وجهاء الفكر والساسة في عالمنا العربي والإسلامي – وبالأخص المتعطشون منهم لما يحدّ من انتشار الصحوة الإسلامية – هذا المصطلح وصاروا يرددونه خاصة في معرض تناولهم للتيارات والجماعـات الإسـلامية التي كانت تحاول أن يـكون لها تواجدها ورؤيتها في ساحات العمل السياسي والمشاركة في آليات اتخاذ القرار وأنظمة الحكم أسوة بكل الجماعات والأطياف الأخرى التي ارتأت آنذاك أن الجماعات الإسلامية إنما هم ( دراويش ) لاينبغي لهم الخوض في غمــار السـياسة والاقتصـاد و… إلى آخـره مما كانــوا يرون أنــه  ( حرام على تلك الجماعات ، حلال لغيرها ) .

ويبدو أنه كان  المقصود بهذا المصطلح هو أن يقرّ في الذهن والفكر عموماً أن دين الإسلام عبارة عن عقيدة وعبادة وأخلاق فقط ، أو أن الدين لله وما سواه يمكن تقاسمه بين الوطن والبشر رغم أن المولى عز وجل قد قال في محكم التنزيل ” قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله ربّ العالمين ”  واستلم البعض هذا المصطلح الغريب على الأدبيات والثوابت الإسلامية لينشر أن هنالك من يريد أن يتمسّح بأحكام الدين وإثارة المشاعر الدينية لتتم مساندة آرائه وتوجهاته وتأييده  .

وقد استتبع استخدام هذا المصطلح أو انتشاره آنذاك أن يفهم أنه لاعلاقة للدين بالسياسة وكذلك أن الدين لله والوطن للجميع ، وأن المساجد لا مجال فيها لغير الصلاة وبضع مواعظ ونصائح تساعد المسلم على تسيير أداء صلواته وصيامه وحجّه وبعض أموره الشخصية في الأخلاق والمعاملات وما إلى ذلك ، وفقط  .  وهنا ينبغي التفريق بين ما ارتبط في الذهن من كثرة الترديد وبين الحقيقة ، إذ أن هذا الفهم يحتوي على مغالطات كبيرة في معاني الدين الإسلامي ومقاصده وغاياته كالعدل والإنصاف والمساواة وكرامة الإنسان وحرمته والمحافظة على نفسه وعرضه وعقله وماله التي هي قواعد نظمتها الشريعة الإسلامية وإن أصبحت الآن نصوصاً متداولة في صميم السياسة لايستطيع الباحثون والمتخصصون أن يُنكروا أن الإسلام كان له قصب السبق في تأطيرها وترسيخها .

من الجدير بالذكر أيضاً أن هذا المصطلح وهذا الفهم للدين إنما هو ميراث ترسّخ لدى الغرب نتيجة ممارسات الحكومات الكنسية في القرون الماضية ، والتي حرصت على التفسير الضيق لبعض نصوص كتبهم المقدّسة وأدّت إلى إيجاد حواجز كهنوتية بين الفكر والثقافة وتوقف عجلة الحياة وغيرها من التجارب المظلمة آنذاك .

أما تاريخنا الإسلامي فنعرف فيه أن المسلمين كانوا بالإسلام يحكمون وله يجاهدون ووفق قواعده يتعاملون وفي حدوده كانوا يسيرون . في مساجدهم كانوا يصلّون وفيها يُبرمون المعاهدات والاتفاقيات وفي تلك المساجد تُجرى وتُبحث خطط الحروب والفتوحات وفيها تُعقد ألوية الجيوش ومنها تنطلق إلى آفاق الدنيا في مشارق الأرض ومغاربها . وهنا يحقّ لنا أن نتساءل إذا كان الإسلام غير السياسة وأنه لله فقط فلماذا تنعقد المؤتمرات ومجمعات الفقه الإسلامي ؟ ولماذا ينتظر المسلمون منها فتاويهم حول المعاملات المالية والاقتصادية مثلاً أو حكم الإسلام مثلاً  في الصلح مع اليهود أو الاستعانة بالقوات الأجنبية أو زراعة الأعضاء البشرية أو الاستنساخ أو … إلخ ؟ وإذا كان الإسلام هو هذه الركعات والسجدات في المساجد وهذه الألفاظ المجرّدة فقط فما الداعي لطلب رأي الإسلام إزاء كل شاردة وواردة نتعرّض لها في حياتنا ومجتمعاتنا ؟!

على أن هذا المصطلح بات – مثلما ذكرنا في البداية – مخلفات فكرية ماضية ، أفل عليها الزمان والمكان وانقضت ، ( الغرب الآن يُروّج مصطلحات أخرى كالإرهاب ، صراع حضارات … إلخ )  وصار الإسلام اليوم في العالم بناء شامخاً ، ينهل العلماء والمفكرون والأكاديميون والباحثون من تراثه العظيم  في شتى مناحي الحياة ، سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية أو غيرها مما لا يمكن تصوّر عدم  شمولية الإسلام لها ، وقد قال تعالى : ” ما فرّطنا في الكتاب من شيء “

فالإسلام كان ولا يزال عقيدة وعبادة مثلما هو وطن وجنسية مثلما هو سماحة وقوة مثلما هو ثقافة وقانون ، وإن الإنسان المسلم مطالب بحكم إسلامه أن يعنى بكل شئون مجتمعه وأمته ، لا فرق بين شؤونها السياسية أو شؤونها الاقتصادية أو شؤونها الاجتماعية أو شؤونها الثقافية أو شؤونها العلمية أو … إلخ ؟

وإذا كنّا نتفهّم دواعي أن تنبري بعض الأقلام لحاجة ما لإحياء المندثرات من المصطلحات الميتة في عالم اليوم وأن تبذل قصارى جهدها لإعادة النبض إليها من أجل محاصرة المساجد والمنابر في المجتمع وتهميش أدوارها والحدّ من نشاطها وفاعليتها مقارنة ببقية المؤسسات فإنه من غير المستساغ أن تجد هذه المحاولات قبولاً لدى الجهات المسؤولة عن المساجد ، أو تلك الجهات المأمول منها تطوير خطاب المساجد والمنابر وتفعيله وجعله أكثر قرباً لحياة الناس ومعاشهم والارتقاء به ليكون في قوة طرحه وحريته وجرأته وقضاياه جنباً إلى جنب مع منابر ومساجد ومآتم إخواننا الشيعة . أو تلك الجهات التي لا نشك إطلاقاً في إخلاصها ، وقبل ذلك في جزالة علمها وغزارته وعظيم معرفتها بأدوار بيوت الله في البناء والتنمية وتأسيس الشخصية المتكاملة للإنسان المسلم في بيته كما في مدرسته كما في جامعته كما في عمله كما في سائر أمور حياته . كما لا نشكّ  أيضا في مقدار حرصها على الوصول بالمساجد والمنابر إلى مراتب الآخرين في حرية التعبير والطرح والقرب من مصالح الناس وقضاياهم . وعلى العموم يجب ألاّ يُفهم من بيانات وتحذيرات الجهات المسؤولة عن المساجد والمنابر أنها استجابة لإملاءات أو تحريضات ناتجة عن معركة صحفية ضد الإسلاميين وصفها الوالد العزيز الكاتب عبدالله العباسي في مقالة له بإحدى الصحف في مطلع هذا الأسبوع بأنها معركة مدفوعة الأجر دفاعاً عن أصحاب الملاهي ومواخير الليل في الفنادق … أجلّكم الله . وسبحان من يدبّر الكون ويقدّر الأمور ويُصرفها  .

أضف تعليق