راصد

خطوط ( موريس ) في الدول العربية !

في الجزائر ، بلد المليون شهيد ، عندما كانت الثورة الجزائرية على أشدّها ، وكانت المواجهات عنيفة مع المستعمر الفرنسي ؛ كانت الإمدادات تصل إلى الثوار والمجاهدين الجزائريين من كل أنحاء العالم العربي رغم الحراسات الحدودية المشددة ، ورغم تطويق الجزائر برقابة عسكرية فرنسية صارمة . ولكن الأسلحة والمؤن والعتاد والإعانات المالية والعينية كانت تصل إلى الجزائريين تسدّ من حاجتهم وتزيد من عزائمهم وتدعم مقاومتهم . حدث ذلك أيضاً رغم أن الأقطار العربية التي كانت لها حدود مشتركة مع الجزائر مثل تونس وليبيا والمغرب كان بعضها ما يزال واقعاً تحت نفس الاحتلال الفرنسي المباشر ، إلا أن شعوب هذه المنطقة استطاعت سواء بتأييد  خفي أو بدونه من السلطات الوطنية في تلك البلدان آنذاك أن توصل ما تريد إيصاله إلى إخوانهم الجزائريين ، دعماً لهم في حربهم ضد الاحتلال ، ولم تتوقف نخوتهم وشهامتهم  يوماً عن اختراع شتى الحيل والمناورات لتجعل الإمدادات تصل في خطوط منتظمة ودائمة فشلت إزاءها كل تدابير الفرنسيين الوقائية في منع هذا العون الذي يصل إلى الجزائريين من الدول العربية التي تطوّق الجزائر .

وهو الأمر الذي اضطرت معه فرنسا في عام 1956م إلى إنشاء خط (موريس ) المعروف ، وهو عبارة عن خطين مكهربين من الأسلاك الشائكة يمثلان حاجزاً على الحدود الغربية والشرقية للجزائر في محاولة لعزل الثوار الجزائريين ومنع الإمدادات عنهم والحيلولة دون وصول المساعدات التي كانت تأتي لهم من دول الجوار في شكل جسور شعبية دائمة وقادرة على اختراق الإجراءات الأمنية الفرنسية . وسُمّي هذا الخط بهذا الاسم نسبة إلى آندري موريس وزير الدفاع الفرنسي آنذاك ، ويبلغ طوله (750) كلم  وعرضه من (30 م – 60 م ) وزوّدته السلطات الفرنسية بكل وسائل الفتك بالأشخاص من ضغط كهربائي عالي وألغام مختلفة الأنواع تُسهم في منع العرب من تقديم واجب النصرة والمشاركة بالنفس والمال في شرف دحر الاحتلال وطرد المستعمر من الأراضي العربية والإسلامية .

كان ذلك حال دول الطوق مع الجزائر آنذاك . لكن بالنظر الآن إلى دول الطوق العربية مع فلسطين ؛ فإن الأمر يكاد يكون مقلوباً ومعاكساً وغريباً ومختلفاً تماماً ، إذ تتبارى هذه الدول في منع أي نوع من أنواع الدعم والنصرة لإخوانهم الفلسطينيين ويتولون بأنفسهم إحكام الحصار المفروض على إخوانهم الفلسطينيين وتنفيذه بكل دقة وإتقان نيابة عن العدو الصهيوني وحلفائهم ، ويمكن أكثر من المطلوب ، ومن أجل ذلك يتنازلون حتى عن حقوقهم السيادية على معابرهم الحدودية فيسلمون طواعية إدارتها وعملية اتخاذ القرار فيها للسلطات الصهيونية ولو تعلّق الأمر بأن يبقى الحجاج الفلسطينيون عالقون في البحر أو في العـراء لعدّة أيام انتظاراً لقـرار بالسـماح لهم بدخـول فلســـطين من خـلال معبر رفح ( المصري ) الذي يُفترض أن تكون إدارته مصرية فلسطينية خالصة . ولذلك لا تحتاج دولة الاحتلال الصهيوني لإقامة خط مثل خط موريس لمنع وصول المؤن والعتاد والإعانات المالية والعينية العربية للفلسطينيين ؛ فقد تطوّعت دول الطوق بإنشاء العديد من خطوط موريس ، وكفتها مشقّة ذلك !!

أضف تعليق