استلمت هذه الرسالة من أحد القراء الكرام ، عبدالحميد أحمد وأعرضها هنا ببعض التصرف : ألا ما أشقاهم ، عندما لم يجد إبليسُ ما يمتطيه ليبلغ به غايتَه غيرَهم. وياخيبةَ إبليسَ إذْ هانت عليه نفسه – وهو هينٌ على كل حال – فاختار أشقى القوم مطيةً له ليبلغ غايةً ما هو ببالغها والقوم مطاياه. ظَنَّ الشقي – شأنَه دائماً لعنه الله – أن له سلطاناً على عباد الله، وظنت مطاياه ذلك – معه – غباءً. لكن الله تعالى أَلجَمَ غرورَه من البداية: “إن عبادي ليس لك عليهم سلطانٌ إلا من اتبعك من الغاوين”. ألا ما أشقاهم، عندما يختم الله على جباههم أنهم من الغاوين، الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله، فلم يكن توفيق الله – يوماً – حليفاً لهم، حتى إذا استمرأوا الغواية وغلبت على أبصارهم العَماية، اتخذهم إبليس مطايا يركبها فكان فرحاً بغبائهم، وكانوا سعداء بنيلهم البركةَ عندما صاروا خيلَ إبليس.
ألا ما أشقاهم وهم يتميزون غيظاً كلما ارتفعت للإسلام راية، أو تحققت لأهله غاية، وما ذلك إلا لأنهم مطايا إبليس، يفرون – معه – كلما ذُكِر الله. ويالِخيبتِهِ عندما يولي دُبُرَه – غيرَ متحرفٍ لقتال – لكن، ما أروعَ صمتَ العقلاء – عن الخوض في الباطل – عندما يقابلون به جهل الجهلاء. فهذا الشافعي – وأنا أظنه أحد العقلاء، وربما ظنته مطايا إبليس غير ذلك – يقول:
إذا خاطبك السفيهُ فلا تُجبْه فخيرٌ من إجابته السكوتُ
وذاك المتنبي ينتشي فخراً عندما يذمه أحد الجهلاء:
وإذا أتتك مَذَمَّتي من ناقصٍ فهي الشهادةُ لي بأَنِّي كاملُ
وقد قرأتُ ذاتَ مرةٍ أن أبا بكرٍ الصديق رضي الله عنه كان جالساً – يوماً – مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإذْ برجلٍ يقف عليهما وينال من أبي بكر، وأبو بكر ساكت لا يجيبه، ورسول الله ساكت أيضاً، فلم يعجب الرجلَ سكوتُ أبي بكر، فنال منه ثانيةً وثالثةً، فرد عليه أبو بكر، وإذا برسول الله صلى الله عليه وسلم يقوم من مكانه، فيدركه أبوبكر سائلاً: أَساءَك مني شيءٌ يا رسول الله؟ فقال عليه السلام: كنتَ ساكتاً فكان الملَك يرُدُّ عنك، فلما خُضْتَ فيما خاض فيه، قام الملَك وحضر الشيطان، وما كنت لأقعد إذا حضر الشيطان.
كأني بإبليس يرقص من بعيد فرحاً، ظناً منه – أخزاه الله – أن أبابكرٍ عجز عن الجواب فسكت، وكأني به أيضاً وقد جلس ضاحكاً، يحسب نفسه قد أفلح – وأنى له ذلك – في استدراج أبي بكر من مقامه السامي إلى موقع لا يرضى به إلا المتناطحون. وهكذا يفعل أتباع إبليس دائماً – تباًّ لإبليس ولأتباعه – ولكن الرسول صلى الله عليه وسلم يرى، ويرى أتباعه من بعده – بورك وبورك أتباعه – غيرَ ذلك.
أما وقد ذكرتُ التناطحَ والمتناطحين، فإني أترحم على زمانٍ كانت الوعولُ فيه تتباهى بقوة قرونها، حتى قال (تأبَّطَ شراًّ)، الذي عاش في ذلك الزمان ووصف التناطح بين وعولٍ شهِدها وخلقٍ من خلق الله هم أقوى من تلك الوعول:
كناطحِ صخرةٍ يوماً ليوهنها فلم يَضِرْها وأوهى قرنَه الوعلُ
آهِ لو أنه أدرك زمانَنا هذا لتبرأ مما قال، رأفةً بوعولٍ – في هذه الأيام – هي أرق من عذراء الخِدر، بلا قرون، تنطح الصخور برؤوسها، فترتج عقولها، يا للهِ ما أشدَّ غباءَها. اقرأ واستزد حول ذلك – إن شِئت – في (حيوان) الجاحظ.
فإن أنت عِشت في رحاب (الحيوان) لعلِمْتَ – أيضاً – أن لخيلِ إبليسَ مرتعاً يَرتَعون فيه، وقد كان نظيفاً طاهراً ردحاً من الزمن، حتى اقتحم عليهم إبليسُ – ذاتَ يومٍ – مرتعهم فساومهم على طهارته، فقبِلوا، فشَرى منهم طهارةَ مرتعِهم بثمنٍ بخسٍ، فلم يعُدْ طاهراً بعدُ، فخيله ترتع في قذارة ذلك المرتع ما دامت على ذلك. ألا ما أشقاهم إذْ لم يعلموا أنَّ للطهارة ثمناً، وأي ثمن، لا يستطيع دفعه إلا المطهرون، وربما باع طاهرٌ طهارتَه، ورضي أن يعيش بدونها إن برِق في عينيه بريق الذهب والفضة، أو رنَّ في مسامعه رنينُ الدينار والدرهم.
ألا ما أشقاهم لما رضوا أن يبيعوا طهارة مرتعهم، فصار مكباً للقذارة، تأتيه خيول إبليسَ من أطراف الأرض، حتى إن خيولاً بلغت أرذلَ العمر تشد الرحال لتأتي ذلك المرتع فترتعَ فيه. أَلا ما أشقى خيلَ إبليسَ ومطاياه، عندما جاء الله بها لفيفاً، وجمعها في مرتعٍ واحد، فيسَّرَ على عباده التعرفَ إليهم. وياخيبة إبليس! فما بقي في (زَريبةِ) خيوله إلا مطيةٌ سوءتها مكشوفة قد آذى الناسَ نتنُها، أو ذاتُ نَفَسٍ متهالكٍ محطِّمٍ متحطِّم، أو تلك التي احدودبَ ظهرُها فلم يبلُغْ بها إبليس – إن امتطاها – أبعدَ مما بلغ.