راصد

ذبح اللغة العربية

أكثر ما يمكن أن يلمسه أي زائر للدول الأجنبية ، في الغرب أو في الشرق هو مقدار تمسكهم بلغتهم الوطنية وحرصهم على الظهور بها في شتى مناسباتهم وممارستهم لشؤون حياتهم ومهامهم الرسمية وغير الرسمية ، لا يتكلمون إلاّ بها ، ولا يتعلّمون إلاّ بواسطتها ، ولا يعلنون إلاّ بمفرداتها ، يتفاخرون بها ويُعلون من شأنها ولايرضون أن تنازعها في المقام والمكانة أية لغة أخرى . كتبهم ، لوحاتهم ، استماراتهم ، إعلاناتهم و” يافطاتهم ” تنبيهاتهم ، أرقام لوحات سياراتهم ، … كل شيء عندهم لايمكن أن تنفكّ صلته بلغتهم الرسمية والوطنية .

أما عندنا فإن الأمر يختلف ؛ فبالرغم من أن اللغة الرسمية والوطنية هي اللغة العربية إلاّ أن الاهتمام بها جعلها تتراجع إلى المرتبة الثانية أو الثالثة أو تركوها نهشاً للخراب والضعف حتى صدق عليها قول شاعر النيل حافظ إبراهيم :

سرت لوثة الإفرنج فيها كما سرى           لُعَابُ الأفاعي في مسيل فرات

فجاءت كثوبٍ ضم سبعين رقعة              مُشَكَّلَةَ الألـوان مـخـتـلـفــــــات

من يدخل إلى مجمعاتنا التجارية الكبرى سيشعر منذ الوهلة الأولى لزيارته عدد من المحلات والمطاعم و” كوفي شوب ” أنه ربما في بلد غير عربي وأن الزوار والزبائن إنما هم من أصحاب العيون الخضراء والزرقاء من ” العلوج ” والإنجليز الذين لابد أن نكون كرماء معهم أكثر من اللازم ، وأكثر مما يحتاجونه حتى لو قدّمنا لغتهم على لغتنا العربية في ” المنيو ” الجداري أو الورقي ، بل حتى لو تخلصنا من العربية وأبقينا لغتهم الإنجليزية في هذا ” المنيو ” وهذا ربما هو الغالب  والمعمول به الذي لا يثير حفيظة أحد ولايستفز دعاة العروبة وحماتها .

على أن الأمر لايقف عند حدّ المحلات التجارية في المجمعات والأسواق بل تنتقل آفته إلى بنوكنا التجارية الوطنية ، زيارة واحدة لهذه البنوك في مقارها وكذلك في مواقعها الإلكترونية سيتبين خلالها مقدار الغبن الذي تعاني منه لغتنا العربي في هذه البنوك ، عموم البنوك بما فيها بعض البنوك الإسلامية التي كان المأمول منها أن تُعلي من شأن لغة القرآن الكريم بدلاً من أن تذوب في بحر تغريب اللغة مع بقية البنوك .

وإذا تجاوزنا عن كل ذلك ، وواسينا أنفسنا بأن ماذكرناه يتعلق بالقطاع الخاص ممن يصعب إلزامهم ، إذا صدقنا ذلك وحاولنا التبرير رغم صعوبة واستحالة الاقتناع به فإن بعض مؤسسات الدولة وشركاتها لاتعطي اللغة العربية الاهتمام الكافي ولاتضعها في المرتبة الأولى . واسمعوا إن شئتم – مثلاً- حينما تتصلون بطواريء الكهرباء والماء ، ماهي اللغة التي تستقبلكم أولاً وترحب بكم ابتداء : Thank you for calling the Authority of Electricity & Water  ، وبعدها تأتي اللغة العربية ” شكراً لاتصالكم بهيئة الكهرباء والماء ” وأحسب أن مثلها ليسوا بالقليل ، أول كلمة تسمعها من بدالتهم أو طوارئهم أو خطوطهم الساخنة ” Thank you” أو ” Welcom” .

وأعتقد أن الأمر يحتاج إلى مراجعة فليس صحيحاً أن ننزل بأنفسنا من قدر لغتنا ، ولا أتصوّر أنه في مقدور أي مؤسسة ما في بريطانيا أو أمريكا أو اليابان أو فرنسا أو الصين أو إيران أو غيرها أن تخالف خدماتها لغتهم الأم أو تقدّم عليها لغة أخرى .

أضف تعليق