في هذه الأيام باتت حياتنا الفكرية والثقافية باهتة وخافتة ، وبالكاد نشاهد أو نعرف عن برنامج ثقافي أو فكري حقيقي فيه الغزارة والفائدة أو يرتقي إلى مستوى الإبداع الذي يستقطب الجمهور ولا يستجديهم ، أو يحمل في فقراته الجد وعمق الوعي والثقافة الرصينة التي قد تحدث أثرها في ظل الحراك السياسي الغالب – ربما – على كل شيء في البحرين اليوم .
ثم للأسف الشديد فإنه قد حدث تحول في زماننا هذا منذ بعض السنوات القليلة الماضية ، حيث تتداعى بعض الفعاليات الثقافية أو ما يسمونهم بالنخبة في عالم الفكر والأدب أو وزارة الثقافة والإعلام إلى مهرجانات يُطلق عليها مسميات ثقافية من مثل ” ربيع الثقافة ” تتوقع أنها ستطرح ما استجد من قصائد ودواوين شعرية أو الجديد في الأدب والقصة والعلوم الإنسانية أو استعراض للمدارس النقدية أو ستتناول بالتحليل أزمة الثقافة والفكر العربي أو ستتطرق لمعالجات لأحوال التردي التي يعاني منها الأدباء والمفكرون أو ما شابه ذلك من الأطر والمجالات الواسعة للثقافة غير أن المفاجأة ألا يكون للثقافة في تلك المهرجانات نصيب سـوى الاسم ، وبعض الأطروحات السطحية في أحسن الأحوال ، والباقي دعوة للطرب أو الرقص أو الاستماع إلى سيمفونيات أو أوبريتات عازفة من الشرق أو الغرب ، ومن الشمال أو الجنوب ، وثم فقط . ولا أحد يعرف بالضبط متى حصل هذا الخلط ؟ وكيف تطوّر وأصبحنا في موقف لا يحســد عليه حتى صرنا حينما نقيم مهـرجانـات أو أســابيع في خارج دولنـا نســميها عنـوة ( ثقافية ) لا نجد فيها سوى عروض فنية وأغنيات وطنية وبعض الملصقات والكتيبات وبعض الأعمال الفنية التراثية مثل فنون ( الليوة والبدندوه والعرضة ) واللهم لا حسد .
وقد تجد من يبرّر لك هذا التحوّل الثقافي فيقول أنها من أجل التعرّف على تراث ورقصات وملابس مختلف الشعوب وأغانيها ، وهذا في حد ذاته ثقافة ! ومع ذلك قد يمكن القبول بهذا التفسير والتبرير رغم عدم اتساقه مع المنطق وانتفاء الحاجة له ، إلاّ أن حصر الثقافة في هذه الجوانب المسماة – عنوة وتكلفاً – بأنها ثقافية طوال الربيعات الثقافية الأربعة الماضية ومعها الربيع الخامس الحالي يجعلنا نتحسّر على حال هذا النوع من الثقافة الذي يُراد لها أن تنتشر ويتعرف عليها المواطنون والمقيمون الذين لابد أن كثرة منهم تتساءل معي : ماذا ينفعني أن أعرف كيف يرقصون ويغنون في الصين أو اليابان أو جنوب أفريقيا أو الأرجنتين أو البرازيل ؟ أو ماذا يلبسون ؟ أو ما إلى ذلك من جوانب الثقافة المستحدثة الغريبة ؟! وهل يستدعي معرفتها و( تثقيفنا ) عنها صرف مبالغ وميزانيات ربما هنالك حاجات كثيرة أخرى أولى بتوجيهها إليها تساعد الناس على تجاوز أزمات وصعوبات معيشتهم وتحسين وتعديل سويّة أوضاعهم بدلاً من هدرها على معرفة رقص هؤلاء وأغاني أولئك ..
وعلى العموم أعتقد أن هناك حاجة للدفاع عن الثقافة نفسها من هذا الخلط والافتراء عليها مما هي بريئة منه ، أو تغيير مسمى المهرجان إلى ربيع الفن أو ربيع الرقص أو أي ربيع آخر لايظلم الثقافة .