راصد

ربّ ضـــارّة نافعــة

 هذا المثل من أشهر الأمثال التي درج على استخدامها العرب منذ قرون عدة ، وذلك لما يحمله من اختصار للتعبير عن منافع حدثِ ما ، أوّله ضار ولكن آخره نافع , وهذا المثل ربما يمكن تطبيقه على ما يعانيه التيار الإسلامي في عموم العالم العربي والإسلامي – ومنها بالطبع البحرين – الذي عادة ما يكون عرضة للهجوم والحصار والتضييق ، وفي أحيان كثيرة تشتغل فيه آلات التعذيب والاعتقال والاغتيال ، وتدار حواليه حملات التشويه والتلفيق والتشهير ، ثم ما يلبث الأمر إذا جدَ الجد وتُرك للناس حرية اختيار ممثليهم فإذا بهؤلاء الذين تم التنكيل بهم ومحاصرتهم وتشويههم يكونون في مقدمة خيارات الناس وثقتهم لا لشيء سوى أن الناس باتت قادرة على أن تميز الطيب من الخبيث، والحق من الباطل، والصدق من الكذب ، والخير من الشر، والجمال من القبح والسوء. وأن الجماهير تتأثر بالفكرة حينما يجسدها حاملوها نهجاً في حياتهم لاترفاً بعيداً عن سلوكياتهم وأخلاقهم التي يعرفونهم بها في مجتمعاتهم .

وعادة ما يختلف تقدير البشر عن تقدير وإرادة رب العالمين ، فكم من التقديرات والخطط يبذل أصحابها من أجل تنفيذها أضعاف ما تستحقه من العناية والرعاية ، ويأخذون لها من الأسباب ما يجعلها تسير (كالمسطرة ) في دقتها ، وبالأرقام ؛ ولكنها مع ذلك تفشل أو تذهب نتائجها إلى غير أهدافها ومرادها . وهكذا قد لا نجانب الصواب إذا قلنا أن حملة إحدى الصحف المحلية غير المبررة دوافعها وغير المفهوم أسباب استمرارها رغم تحذيرات العقلاء والحكماء من عواقبها على التيار الإسلامي السني ربما قد تسهم في تقوية ظهره وزيادة الالتفاف حوله خاصة بعد هذا الكم الهائل من التعريض والتجريح غير المسبوق في صحافتنا المحلية بحق شخوصه ورموزه وانتقاص فج من كرامة قواعده وشارعه خاصة إذا كانت مصادر هذا التعريض والهجوم معروفة في دنيا الناس بأن لها صولات وجولات وسوابق ضد ثوابتها الإسلامية ليس آخرها المساس بالذات الإلهية والاستهزاء بعهد الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الأجلاء .

يمكن ملاحظة ذلك على الأقل في الحشد الجماهيري الكبير الذي غصّ به مقر جمعية المنبر الوطني الإسلامي في اللقاء التشاوري الذي عقدته الأسبوع قبل الماضي حيث كانت أعداد الواقفين لاتقل عن أعداد الجالسين على المقاعد ، وتجاوز عدد الحضور خانة الألف بينما أعضاء المنبر بضع مئات ، وكان لافتاً أن هذا الحضور هو الأكبر منذ نشأة المنبر .

وكان لافتاً أيضاً فوزهم في انتخابات مجلس الطلبة في جامعة البحرين يوم الأربعاء الماضي بعد إعلان نتائج الانتخابات حتى أنني استلمت ( مسجاً) رسالة هاتفية من أحد الطلبة مساء الأربعاء تقول ” الله أكبر .. انتصر المنبر الإسلامي والأصالة رغم حملة الليبراليين والعلمانيين ” ولا يخفى على أحد أن طلبة الجامعات عادة ما يكونون القلب النابض لمجتمعاتهم .

يقول الدكتور نبيل سفيان أستاذ علم النفس الإرشادي في جامعة تعز باليمن في مقال بعنوان ”  فوائد المصائب .. رب ضارة نافعة ” غالباً ما يشعر الناس بضيق وتوتر وحزن عندما يخسرون شيئاً ما أو يتوقعون خسارته ، وتعتمد درجة الضيق على نوع الشيء الذي خسرناه أو نتوقع خسارته فقد يكون هاماً جداَ بالنسـبة لنا وقد يكون أقل أهمية ، فالأفراد يختلفون في درجة تقبلهم للخسارة وطريقة تفكيرهم وطريقة تعاملهم معها . وقد يكون هذا الشيء – الذي نخاف خسارته – إنساناَ عزيزاَ أو وظيفة أو نجاحاَ دراسياً …الخ  . وبعض الناس يبالغ في خوفه وقلقه إلى درجة اعتقاده أنه بخسارته هذه سيخسر كل شيء وأنه في كارثة ليس لها مثيل ، وغالباً ما نكون أثناء هذه الحالة مركزين ذهنياً على مساوئ الخسارة ولا يتبادر إلى ذهننا أن في هذه الخسارة مكاسباً بل قد تكون المكاسب أكبر وأكثر من الخسارة ، فالمثل العربي ” رب ضارة نافعة ” لم يأت من فراغ . ويواصل الكاتب فيقول ” في أحد المطارات نام أحد المسافرين في إحدى الرحلات الجوية في قاعة الانتظار وهو ينتظر موعد الإقلاع وصحا فجأة من نومه والطيارة تقلع فجن جنونه وشعر بكآبة شديدة لم يشعر بمثلها من قبل ، فإذا سألته عن أهمية الرحلة التي خسرها سيحكي لك خسارات فادحة ، وما هي إلا دقائق وإذا بالطائرة تنفجر أثناء الإقلاع ، ورغم أن الحادث كان مريعاً إلى أنه شعر أنه ولد من جديد وقال رب ضارة نافعة . وقد يقول البعض إن هذا من باب الصدفة .. وهنا سأنطلق من جانب فلسفي وهو أن لكل شيء في الحياة فائدة ولكننا غالباً لا نرى فوائد كثير من الأشياء ،  ومن التاريخ عبرة فكثير من الناس وجدوا أنفسهم في ظروف مؤلمة تجلب الحزن والاكتئاب ، وكانت هذه الظروف تحمل الفائدة والسعادة اللاحقة لأصحابها ومن هذه الظروف سجن شيخ الإسلام ابن تيمية الذي ساعده على إنتاج جلّ فتاواه ، وحبس العالم الفقيه السرخسي في الجبّ ساعده على تأليف كتابه المشهور ( المبسوط ) ، وسفر ابن القيم وبُعده عن أهله ساعده على تأليف كتابه ( زاد المعاد ) ، ومرض ابن الأثير الذي أقعــده ساعده على تأليف كتبه الرائعة ( جامع الأصول ) و ( النهاية ) ، وفقر وتغرّب المحدثين جمع لنا آلاف الأحاديث ، وفقدان بصر أبي العلاء المعري والبردوني وغيرهم أنتج لنا شعراَ مميزاً ، وكتابة طه حسين لمذكراته بعد عماه ، وظروف دستويفسكي وتولستوي والسياب وغيرهم من يتم وفقر وغربة ساعدهم على إنتاج أدب قوي مؤثر ، وهكذا نجد أن ما نعتقده ضاراً قد يكون غير ضار بل قد يكون نافعاَ .. وكان موسى عليه السلام يعتقد أن فعل الخضر ضار ، فقد رأى الخضر يقتل طفلاً ويهدم جداراً ويخرم سفينة ، فاستنكر فعل الخضر وكان رد الخضر عليــه كما في قوله تعالى 😦 ألم أقل أنك لن تستطيع معي صبرا ) ، ثم قام الخضر بإيضاح ما لم يفهمه موسى عليه السلام كما جاء في قوله تعالى ( وأما الغلام فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغياناَ وكفرا ، فأردنا أن يبدلهما ربهما خيراَ منه زكاة وأقرب رحما ) ( الكهف – آية 80، 81) .

ويضيف الكاتب قائلاً : “وقد يشعر البعض أن هناك خططاً ودسائس ومكراً تُدبر لهم وقد تنفذ بعضها مما يجعلهم يكتئبون ويضيقون وإذا بالسحر ينقلب على الساحر وتتحول نتائج الضرر إلى فوائد كقوله تعالى ( وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين ) ( الأنفال – آية 30 ) .

وهكذا بإمكاننا أن ننظر لما نعتقده ضاراً  بالنظر إلى فوائده ، فإن ما نعتقده ضاراً قد كتبه الله لنا ، قد يكون فيه النفع الغائب عن أعيننا وأذهاننا قال تعالى ” عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون ” ( البقرة – آية 216) . فسبحان من يدبّر الكون ويقدّر الأمور ويُصرفها  .

أضف تعليق