روى مسلم عن أبي هريرة ( رضي الله عنه ) قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إن الله إذا أحبّ عبداً دعا جبريل ، فقال : إني أحبّ فلاناً فأحبه ، قال : فيحبّه جبريـل ثم ينادي في السـماء فيقول : إن الله يحبّ فلاناً فأحبوه فيحبّه أهل السماء ، ثم يوضع له القبول في الأرض” فلله درّ ابننا عبدالحميد حسن قاسم الشيخ ذي ال(21) ربيعاً هذا الحبّ الذي اكتسبه لدى تلك الجموع من الناس الذين غصّت بهم ساحة مقبرة المحرق عصر يوم أمس مودعة إياه وقد ملأ الحزن قلوبها وبكت العيون وذُرفت الدموع لهذا الشاب التقي الذي لا يفارق المسجد ولا يكاد ينافسه أحد على اهتمامه وحرصه بالدروس والمحاضرات الشرعية ولزميله مروان خالد الحمر ذي ( 17) ربيعاً الحافظ للقرآن الكريم الناشط في مركز شباب المعالي اللذين وافاهما الأجل في حادث أليم تقطعت قلوبنا وقلوب الناس في المحرق وهم يسمعون خبر وفاتهما ويشيعون جثمانهما إلى بارئهما المولى عز وجل .
عبد الحميد ، الشاب الورع الذي لا يتجرأ على الحرام ، المعروف بخدمته للناس ، ذي الوجه البشوش والثغر البسّام الذي لازمه حتى بعد وفاته كعلامة من علامات القبول والرضا عليه من لدن المولى عز وجل . منذ بضع سنوات كنت في عمرة بالعشر الأواخر من شهر رمضان المبارك ، وكان عبدالحميد معي في ذات الغرفة لكنني لم أره طوال تلك العشرة الأيام إلاّ في بداية وصولنا وعند مغادرتنا حتى أن القلق قد دبّ في نفسي وخفت عليه من الضياع فسألت عنه بعض القريبين منه فطمأنوني لا تقلق وأخبروني بأن هذه عادته فقد آثر أن يعتكف – وهو لم يتجاوز عمره آنذاك (17) سنة – في هذه الأيام الفضيلة في بيت الله الحرام وينقطع للمولى عز وجل تأسياً بسنة الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم في هذا الموسم المبارك .. فنعم الفتى هذا الذي استحق كلّ هذا الحبّ والقبول له في الأرض وفي السماء .
يموت العظماء من الناس فيكون ميراثهم المال والعقار ولكنهم في دنيا الناس وذاكرة المجتمع أصفار في أصفار سرعان ما تتلاشى أشخاصهم وتغيب عن الأذهان معالمهم ، ويموت من مثل عبدالحميد فيجزع ويحزن لموته من رأيناهم في ساحة المقبرة وأمثالهم خارجها لما عرفوا عن حسن مآثره ونبل أخلاقه والتزامه وطيب معشره وسلوكه ، فيكون ميراثه حينئذ واسعاً وباقياً عند أهله وبين أقرانه وأحبابه . عبدالحميد ومروان شابان أنشأهما والديهما على طاعة الرحمن وعلى كتاب الله فغديا من الأبناء الصالحين الذين يُشار إليهما بالصلاح وحسن الخلق والتربية .
ولكن هذا قضاء الله وقدره ، وهذه هي حال دنيانا الفانية ، وهذا هو الموت الذي لا يعرف صغيراً أو كبيراً ، من جاء أجله رحل وتركنا بحزننا ولوعتنا لعلنا نعتبر وندرك ما تبقى من حياتنا من أجل أن نُصلح دار مقامنا واستقرارنا إذا حان أجلنا . ولا نقول إلا رحم الله عبدالحميد وتغمدهما بواسع رحمته وأسكنهما فسيح جنانه ، وألهم والديهما وعائلتهما الكريمتين وسائر ذويهما الصبر والاحتساب . وإنا لله وإنا إليه راجعون .