نشر الدكتور عبدالله العوضي من دولة الكويت الشقيقة في بداية الشهر الحالي دراسة علمية متميزة حملت عنوان ” سياسة اللا حسم مسؤولة عن الاختلالات في الجسم الكويتي ” تناولت بالتحليل والتفسير عدداً من الاختلالات في مختلف مناحي المجتمع الكويتي ، منها مثلاً : الاختلال في المشهد الثقافي حيث توصل الباحث إلى تراجع الروحانيات في المجتمع، وانتشار السلوكيات التي تناقض أخلاق المجتمع، بالإضافة إلى استهلاك (وليس تصنيع) التكنولوجيا، وسوء استخدام التكنولوجيا الحديثة، وكذلك تراجع الأنشطة الفنية الهادفة، وأيضا تراجع المنتوجات الفكرية (حركة التأليف والبحث العلمي والنشر) . وتطرق إلى الاختلال في التعليم إذ كشفت الدراسة عن اختلالات جوهرية في التعليم النظامي موضحاً أن الخلل في التربية هو ” التحضير الأكيد لمجتمع متخلف ومتدهور” مبينا أن أبرز مؤشرات الاختلال التربوي تتركز في تخلف النظام التعليمي عن مسايرة مستجدات العصر، ضعف مستوى المقررات والمناهج الدراسية، ضعف ميزانية التعليم والتربية النظامية، ضعف إقبال الطلاب على التخصصات العلمية التطبيقية وإقبالهم على التخصصات الأدبية النظرية ، ازدياد العنف في المدارس ، ضعف العلاقة بين الأسرة والمدرسة، ضعف مستوى المعلم، تخلف الإدارة المدرسية، عدم فاعلية الإرشاد التربوي، تدني مستوى التحصيل لدى الدارسين، سيطرة البيروقراطية على سياسة التربية والتعليم، ارتفاع معدلات التسرب، ارتفاع معدلات الهدر التربوي.
وتناول الدكتور العوضي في دراسته أيضاً عن الاختلالات فأكد على وجود مؤشرات خطيرة للاختلال القانوني، منها: جمود بعض التشريعات والقوانين وعدم تطويرها، تراخي بعض الأفراد في الجهات القائمة على تنفيذ القانون، المحاباة في تطبيق القانون (عدم سيادة القانون على الجميع) . أما الاختلال الإداري فقد تعرّضت الدراسة إلى بعض صوره ، ومنها الخلل الواضح في سياسة التوظيف (فلم يعد توظيف المواطنين يتم وفق حاجة العمل الفعلية وإنما لمجرد إلحاق المواطنين بالوظائف، الأمر الذي يفسر البطالة المقنعة في مؤسسات الدولة) وكثيراً ما توجد اختلالات أصبحت سائدة رغم خطورتها مثل: البيروقراطية المفرطة، بطء وضعف اتخاذ القرار، عدم التناسب بين الأجر والعمل، تدخل العلاقات الشخصية في الترقيات، عدم استمرار الموظف في عمله الذي تدرب عليه (إما بسبب الترقية أو النقل)، تخلف أساليب الإدارة، سلبية الثقافة التنظيمية في المؤسسات، المحاباة في الاختيار للوظائف الإدارية والقيادية، ضعف تأهيل الإداريين والقياديين ، قلة إنتاجية الموظف مع اضطراب معايير التقويم في المنظمات والتسيب والإهمال في الوظائف الحكومية .
وتطرقت الدراسة كذلك إلى الاختلال الاقتصادي ، فذكرت أنه على الرغم من أن الكويت تعتبر من الدول الغنية بدلالة نصيب الفرد من الدخل القومي ومستوى المعيشة ، إلا أن هناك بعض صور للاختلال الاقتصادي، تتمثل مؤشراتها في فشل السياسة الاقتصادية في تنويع مصادر الدخل القومي رغم خطورة الاعتماد على الاقتصاد أحادي المصدر وهيمنة القطاع الحكومي على الاقتصاد، بل واعتماد القطاع الخاص على القطاع الحكومي، فضلا عن اعتماد السوق المحلي على الاستيراد وكذلك الاعتماد على الاقتصاد لريعي وليس الاقتصاد الإنتاجي بالإضافة إلى تضاؤل دور الصناعة في الاقتصاد القومي والتحكم الخارجي في قيمة المنتج المحلي وغلبة الاستهلاك الترفي (ثقافة استهلاك) وتدني مستوى إنتاجية الفرد وكذلك انتشار قيم اقتصادية وسلبية تجسد التكالب على الثراء من أقصر الطرق بما في ذلك غير المشروعة وضعف مستوى الاستثمار في القطاعات الإنتاجية وأيضا الاعتماد على القروض وسرقة المال العام أو إهداره.
دراسة الدكتور العوضي تناولت اختلالات كثيرة في الجانب السياسي والصحي والاجتماعي والرياضي والنفسي وما شابهها من مناحي الحياة توصل الدكتور عبدالله العوضي إلى أن أكثر السيناريوهات عقلانية في تفسير هذه الاختلالات بالجسم الكويتي هو ذلك الذي يرى إن عدم حسم الحكومة بشأن قضايا أساسية هو السبب الرئيسي وراء تلك الاختلالات ، مشيرا إلى أن ثقافة التأجيل وتشكيل لجنة والتردد والتجاهل المتعمد والإهمال تندرج تحت ثقافة ” اللاحسم” التي انتقلت من دائرة السياسات والاستراتيجيات الحكومية إلى واقع العمل اليومي في المؤسسات والمنظمات الحكومية.
رغم أن هذه الدراسة تتناول الواقع الكويتي إلاّ أن الاختلالات والأسباب الواردة فيها يجدر بنا هنا أن نسقطها على واقعنا ، فقد نكتشف أنه ليس ثمّة اختلاف عندنا عنهم .