راصد

شركة الماء الأسود

شركة بلاك ووتر .. ارتكبت جريمة كبيرة وهي سابع مخالفة تسجلها عليها وزارة الداخلية العراقية ولابد أن تُحاسب على جميع المخالفات ولايُسمح لها أن تقتل العراقيين بدم بارد . هذا هو تعليق رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي يوم الأحد الماضي إبان الإعلان عن سحب ترخيص هذه الشركة الأمنية بعد قتلهم تسعة من المدنيين العراقيين . في اليوم التالي لم يصمد قرار سحب الترخبص ؛ إذ تحوّل إلى وقف مؤقت للتحقيق مع الشركة المذكورة التي تعتبر ثاني أكبر جيش في العراق وتتولى حراسة مواقع أميركية حساسة أهمها السفارة الأميركية بالإضافة إلى أمن وحماية الدبلوماسيين وكبار الشخصيات التي تزور العراق. وحيث أن الحكومة العراقية لا تملك اتخذا مثل هذا القرار أعلنت السفارة الأمريكية عودة الشركة إلى ممارسة عملها بعد أربعة أيام من الحادث وتصريحات المالكي عن محاسبتها !

ولكن من هي شركة بلاك ووتر التي يُعرف موظفوها ببطشهم، وهم مكروهون من العراقيين، ويشتهرون بأنهم يفتحون النار دون تمييز على السيارات والمارة الذين يقتربون من قوافلهم وسياراتهم التي تحمل عبرات من مثل ” ممنوع الاقتراب” أو” احذر الموت” ويتصرفون بكل استقلالية ولا يحاسبون على أعمالهم سوى أمام مسؤوليهم وقد أبرمت الشركة عقودا بلغت قيمتها مئات ملايين الدولارات مع وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) إثر الحرب على العراق .

 أحد الصحفيين الأمريكيين البارزين ، واسمه جيرمي سكاهيل” أصدر كتابا حمل عنوان “مرتزقة بلاك ووتر.. جيش بوش الخفي”، كشف فيه بعض الجوانب الخفية عن عملهم بالعراق حيث تصل أجرة الشخص إلى 1500 دولار يوميا.  ويروي في كتابه بداية انطلاق جيش “بلاك ووتر”، الذي وصفه بأنه أقوى جيش للمرتزقة في العالم فيقول ”  قبل ساعات من وقوع هجمات الحادي عشر من سبتمبر وتحديداً يوم العاشر من سبتمبر 2001، اعتلى دونالد رامسفيلد – وزير الدفاع الأمريكي السابق- منصة البنتاجون ليلقي واحداً من أهم خطاباته كوزير للدفاع، وقتها لم يكن معظم الشعب الأمريكي قد سمع عن القاعدة أو تخيل أنه يمكن أن يحدث له ما حدث من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، والغريب أن رامسفيلد تحدث في خطابه عن أن الولايات المتحدة تواجه تهديداً حقيقياً. وأن العدو أصبح قريباً من الوطن، وهو ما يتطلب إحداث نقلة شاملة في أسلوب إدارة البنتاجون واستحداث نموذج جديد يقوم على القطاع الخاص.. ليست لدي أي رغبة في مهاجمة البنتاجون، ولكنني أريد أن أحرره، إننا في حاجة إلى إنقاذ البنتاجون من نفسه”. وفي صباح اليوم التالي كانت الولايات المتحدة الأمريكية على موعد مع هجمات الحادي عشر من سبتمبر لتأتي الفرصة لدونالد رامسفيلد لكي ينفذ ما ورد في خطابه من الاعتماد على شركات أمنية خاصة، ومن بين هذه الشركات شركة بلاك ووتر .

تتحدث بعض التقارير عن روابط دينية تجمع مؤسسي هذه الشركة مع الإدارة الأمريكية حتى أن الكاتب محمد حسنين هيكل قال في أحد لقاءاته بقناة الجزيرة : ” أن وجود قوات المرتزقة بالعراق ليس مجرد تعاقد أمني مع البنتاجون تقوم بمقتضاه هذه القوات بمهام قتالية نيابة عن الجيش الأمريكي، بل يسبقه تعاقد أيديولوجي مشترك بين الجانبين يجمع بينهما، ألا وهو “دولة فرسان مالطا” الاعتبارية ، وهي من أواخر الفلول الصليبية ، وتهيمن على صناعة القرار في الولايات المتحدة والعالم “

ويكشف جيرمي سكاهيل في كتابه  الصلة الدينية التي تجمع بين شركة “بلاك ووتر” وإدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش قائلاً: ” من الصعب تخيل أن المحسوبية التي اصطبغت بها إدارة الرئيس الأمريكي بوش لم يكن لها دور في نجاح “بلاك ووتر”، فمؤسس الشركة وهو الملياردير إيريك برينس يتشارك مع بوش في اعتناق معتقدات اليمين المسيحي في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث جاء من عائلة جمهورية نافذة في ولاية ميتشيجان، وهي العائلة التي ساعدت تبرعاتها اليمين المسيحي في أمريكا على النهوض. كما أن والده إيدجار برينس دعم الجمهوري جيري بوير في إنشاء مركز أبحاث العائلة وهو مركز معني بمواجهة الإجهاض والزواج المثلي. كل الأوراق إذن تختلط والرابط الأكثر قوة وتأثيراً ونفوذاً هو الإيمان المشترك بمعتقدات المسيحية الأصولية حيث نجحت الشركة في توظيف شخصيات احتلت مكانة نافذة في دائرة صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة الأمريكية ليشكلوا مجلس إدارتها، وعلى رأس هؤلاء جيري بوير ، وهو سياسي محافظ معروف بعلاقاته مع كثير من الجماعات المسيحية الإنجيلية، كما يعرف بتأييده غير المحدود لإسرائيل وإيمانه بضرورة استخدام القوة العسكرية لحماية مصالح الولايات المتحدة ، وهناك أيضاً الجنرال المتقاعد جوزيف شميتز الذي عمل مفتشاً عاماً في وزارة الدفاع الأمريكية في حقبة الرئيس الأمريكي السبق رونالد ريجان ثم انتقل للعمل كمستشار في مجموعة شركات برينس المالكة لشركة “بلاك ووتر”. و شيمتز كان من أهم المقربين من الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب قبل أن يكون من بين أهم المقربين من الرئيس الأمريكي الحالي جورج بوش الابن ومن إدارته، كما أنه كان مسؤولاً عن رسم خريطة الشركات الأمنية الخاصة ومن بينها شركة بلاك ووتر في بدايات فترة الحرب الأمريكية على الإرهاب. وهناك أيضا الجنرال كوفر بلاك الرئيس السابق لإدارة مكافحة الإرهاب في وكالة المخابرات الأمريكية والذي اشتهر بمقولته “هناك قبل 11 سبتمبر وبعد 11 سبتمبر وسنخلع القفازات”، حيث يصفه سكيل في كتابه بأنه “قاد الفريق المسؤول عن مطاردة بن لادن في أعقاب هجمات الحادي عشر من سبتمبر”.

شركة بلاك ووتر  تعيد إلى الأذهان تصريحات الرئيس بوش عقب هجمات 11 سبتمبر حين أعلن شن “حرب صليبية” على الإرهاب وأعمالها في العراق شاهد على ذلك ، وما دورها الواضح في مذابح الفلوجة عام 2004م إلا أحد تلك الشواهد .

في عالم انحرفت فيه البوصلة وتاهت مؤشراتها لايمكن أن تُنعت الجرائم بالإرهاب إلاّ إذا كان مرتكبوها من أبناء العرب والمسلمين أما جرائم غيرهم فهي حالات دفاع مشروعة عن النفس حتى وإن ظهر مقاتلو بلاك ووتر من سياراتهم المصفحة في ساحة النسور ببغداد وفتحوا نيران رشاشاتهم فجأة على المارّين في الشارع فأسقطوا قتلى وجرحى بالعشرات .

أضف تعليق