راصد

ضربني وبكى .. سبقني واشتكى

  قرأت منذ فترة قصة طريفة ولطيفة للكاتبة ضياء حاتم ، تقول فيها : كانت أختي الصغيرة ” هلا ” إلى جانب شراستها وحدّة طبعها ، شديدة الحساسية والزعل . كانت تضرب أخاها الأصغر منها ، وأختها الأكبر منها ، بل وكل من تسوّل له نفسه بمخالفة قوانين لعبتها من أبناء عمتها وعمها ، ثم تبكي وتشتكي للظلم الذي ألحقوه بها . وعندما كانت أمي تجري وراءها أحياناً لتؤدبها ، كانت تهرب منها وتصعد الدرج إلى الطابق الثاني ، وهي تعلم بأنها لا تستطيع اللحاق بها ـ لا أذكر أمي في تلك الأيام إلا حاملاً أو على يدها طفل صغير  ـ فتقف لها هناك على رأس السلم وتبدأ بالبكاء والصياح على أنها مظلومة ، وأن الجميع يضطهدها ، وأنه لا يوجد عدل في هذا البيت ، ثم تختم مرافعتها بمجموعة من الأدعية كانت تحفظها عن ظهر قلب وترددها تقريباً في كل يوم ومنها أنها تتمنى أن ” يقصف الله عمرها ” لترتاح منّا ومن هذه ” العيشة ” ….. ثم تقول لأمي : ” يا ليتني ولدت في البرية ولم أولد عندك ، يا ليتني ولدت في مضارب النور ( الغجر ) ولم أولد في هذا البيت “.

  كانت تقول هذا كله بشكل مؤثر وبحماس بالغ وهي تهدر الدموع المدرارة ، لدرجة كانت تجعل أمي تتراخى في النهاية وتغرق في الضحك ، ثم تتراجع عن مطاردتها .

 أحياناً أخرى ، حين يكون الذنب الذي اقترفته كبيراً ، كانت تخاف من القصاص فتهرب إلى بيت عمتها ، وتبقى هناك حتى المساء ، موعد رجوع والدي إلى البيت ، حيث هي تعلم بأنه لن يضربها أحد في حضوره ، ولكن أيضاً لأنها جاعت ولم تجرؤ على طلب الطعام في بيت عمتها .

  عند رجوعها ، كانت أمي تسألها :

ـ ” لماذا عدت ؟ لماذا لم تبق عند عمتك ؟ ” .

ثم تأتي “هلا” لتحتمي بأبيها وتشتكي على إخوانها وأخواتها وسائر من في البيت ، فينهرها قليلاً ثم يقول وهو يضحك :  ” مثل العادة : ضربني وبكى سبقني واشتكى ! “

 لا أدري لماذا قفزت إلى ذهني هذه القصة بينما كنت أقرأ بالأمس خبر شكوى الفنانة زينب العسكري على الكاتب هشام الزياني لكن المؤكد أن كثيراً من الأسـويـاء والغيوريـن والمخلصـين للوطـن قد اسـتذكروا بالأمس هذا المثـل الشعبي ” ضربني وبكى سبقني واشتكى ” . إذ كان ( العشم ) أن تبادر جمعيات وفعاليات ومواطنين ومقيمين بالشكوى وليس العكس .

يروّج بعض الفاشلين أن انتقادنا للمسلسل السيئ الصيت الذي عرضته فضائيتنا وانتهكت به حرمة شهر رمضان المعظم ؛ إنما ينبع من نظرة ظلامية وينطلق بدوافع دينية بينما الحقيقة أن الظلام الحقيقي يكمن في أجواء وممارسات  الدعارة والانحلال والقوادة والمخدرات وهي أمور جسّد صورها وحالاتها ذاك المسلسل معترفاً  بالفعل أنها تتم في الظلام ومن وراء الأستار . وأن الظلام الأكثر وضوحاً هو ظلم المجتمع البحريني بمثل هذه المسلسلات الهابطة. فذاك هو الظلام الذي ينبغي على الجميع محاربته والوقوف ضدّه . في عالمنا المعاصر تدير الدول إعلامها وفضائياتها الرسمية – ناهيك عن الخاصة- بحيث تُظهر أفضل ما في تلك الدول وتُصوّر مواطنيها كأنهم أفضل البشر . وانظروا إلى الدعاية الغربية وبالذات الأمريكية ؛ كيف تحسّن صورة أمريكا ومواطنيها .

والحقيقة أيضاً أن الدفاع عن سمعة البحرين وفتياتها ونسائها واجب يمليه على هشام الزياني وعلينا جميعاً انتمائنا لهذا الوطن الذي يحرص البعض على استمرار تشويه صورته بمثل هذا العفن والأسن وإظهار المجتمع البحريني كأنه بار أو ماخور للدعارة بينما واقعه يختلف عن ذلك كثيراً كثيراً .

على أن الشيء المستغرب في خبر يوم أمس بشأن شكوى زينب العسكري على الزميل هشام الزياني هو نشره خالياً من البيان التضامني الذي اعتادت جمعية الصحفيين على إصداره إزاء أي شكوى قضائية يتم رفعها ضد الصحفيين ، ونتمنى أن نقرأ هذا البيان المقصود اليوم في صحافتنا المحلية حتى نطمئن أن للجسم الصحفي هيئة ومؤسسة تدافع وتحمي أفراده – كامل أفراده – وتفزع لهم بغض النظر عن انتمائهم وتوجهاتهم ، وبغض النظر كذلك عن انتماءات وتوجهات القائمين على تمثيل الجسم الصحفي خاصة في ظل الكلام هذه الأيام عن قانون مستنير للصحافة .

أخيراً .. قال رسول صلى الله عليه وسلم : ” كيف بكم إذا تركتم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر” قالوا: يا رسول الله إنّ هذا لكائن ؟! قال عليه الصلاة والسلام : نعم ، وأشدّ منه ، كيف بكم إذا رأيتم المنكر معروفاً والمعروف منكراً ” !!

أضف تعليق