راصد

ضمانات نجاح ماكنزي

 تهتم الدول بتأسيس الهياكل المؤسسية الاقتصادية والاجتماعية بشكل أساسي باعتبارها البنية اللازمة لاستمرار العيش في مجتمع هذه الدول ، وتعمل الدول بين حين وآخر على استكمال تطوير تلك الهياكل ، وذلك باستصدار القوانين والتشريعات أو تعديلها بما يلبي متطلبات التنمية وحاجات المجتمعات ، وبالطبع كل ذلك بهدف تحقيق المزيد من عوامل الأمن والاستقرار وتحسين مستوى عيشه ورفاهيته .  ومن ذلك بالنسبة لنا في البحرين مشروع إصلاح سوق العمل ؛ الذي يدور الجدل حول جدواه وإيجابياته وسلبياته والمحاذير من تطبيقه وما إلى ذلك من مخاوف وهواجس لاشك أنها في المحصلة ستكون في صالح تطبيق المشروع ذاته وتحقيق أهدافه .

ومن قراءة ومتابعة متواضعة فإن جلّ التحفظات على مشروع دراسة ( ماكنزي) لإصلاح سوق العمل تتركز في الرسوم والضرائب التي سيتم فرضها إبّان تطبيقه ؛ من سيتحمّلها ؟ هل يستطيع التجار وأصحاب الشركات تحمّل أية أعباء مادية إضافية في سوق يشكو من الركود والجمود ؟ وهل ماسيدفعونه من رسوم إضافية لن يعوضوها بزيادة أسعار منتجاتهم وخدماتهم لتغطية خسائرهم ؟ وإذا افترضنا أن رجال الأعمال وكبار التجار والمستثمرين لديهم من السيولة النقدية مايمكنهم من دفع هذه الرسوم المضافة ؛ ماذا عن أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة الذين ( يتعكزون ) في السوق ويعانون من قصر ذات اليد وهم ( على باب الله) بالكاد يريدون فتح مشاريع تساعدهم على تحسين مداخيلهم ؟ في الحقيقة لسان حال الكثيرين منهم يرى أن مشروع إصلاح سوق العمل سيزيد الغني غنى وسيزيد الفقير فقراً ! وإذا  كان هذا  التخوف موجود لدى الطبقة الغنية التي طلبت في وقت سابق تأجيل تطبيق المشروع لمدة عامين ، وضعف هذا الخوف مرات عدة عند أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة فإن المواطن يكون حينها أشدّ حذراً وتوجساً لأن هنالك انعكاسات لابد لها – عند التطبيق- أن تؤثر على أسعار السلع والخدمات وغيرها مما لاتتحمله جيوب المواطن التي هي أصلاً مسكينة وخاوية ولايعيش راتبه معه إلا في الأيام الأولى من استلامه فقط . ولذلك يستوجب عند المضي في تطبيق مشروع إصلاح سوق العمل توفير عدد من الضمانات ، لعلّ أهمها :

أولاً : ألاّ يترتب على تطبيقه تحميل المواطنين تغطية أية رسوم أو تكاليف مالية دفعها التجار وأصحاب الأعمال ، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ، فلم تعد أحوال المواطنين تسمح بأن تزيد الأسعار ، ولو بفلس واحد ، خاصة بالنسبة لأولئك الذين يطلق عليهم ذوي الدخل المحدود ، وهم شريحة غالبة ومتزايدة ومكتسحة في المجتمع .

ثانياً : وهنا أيضاً لابد أن يشار إلى أن المواطنين الذين ينتظرون زيادة رواتبهم منذ عقود من الزمان ويسيل لعابهم لأي حديث عن زيادات رواتب في الدول المجاورة ليسوا على استعداد لتسليم أية زيادة محتملة في رواتبهم لمشروع ( ماكنزي ) فما يعطى باليد اليمنى يجب أن نضمن ألا يتم أخذه باليد اليسرى .

ثالثاً : وهو الأهم  ؛ ليس المهم وجود قوانين وتشريعات وإنما المهم مقاصدها وكيفية ممارسة تطبيقها ، وعلّة القوانين ليس في صياغاتها وأحكامها وإنما في خرقها والاستثناء منها ، ونجاحها في شمولية تطبيقها . وإذا ما أريد لمشروع إصلاح سوق العمل أن يمضي ويحقق نجاحاته لابد أن ينضوي تحت سقف استحقاقاته المتنفذون والهوامير وما شابههم. من الواجب أن يتم ضمان ذلك لئلاّ يكون حاله – مثلاً- حال مشــــروع القضاء على العمالة الســائبة ( الفري فيزا)  الذي كنا نسمع عن حملات مستمرة منذ عقود من الزمان للقضاء عليها  وجهود متواصلة دون أن يكتب لها النجاح ، لا لشيء سوى أن هذا النوع من العمالة- التي تكثر ولاتقل-  اللاعبون فيها قد لايطالهم القانون . قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : “إنما هلك من كان قبلكم لأنهم كانوا إذا أذنب الضعيف فيهم عاقبوه، و إذا أذنب الشريف فيهم تركوه ” .

أضف تعليق