في حياتنا الكثير من الظواهر التي تظهر ثم فجأة تختفي ، كانت تبدو قوية وشديدة وفي عنفوانها لكن سرعان ما تبدأ شيئا فشيئا في التلاشي حتى تكاد تختفي لتفسح المجال لظاهرة أخرى تقتحم علينا حياتنا . هي في السياسة كما في الاجتماع كما في الاقتصاد ، ولكل تحول مقاصده وأسبابه التي تستدعي التحليل والالتفات إلى نتائجه .
على أن أخطر مافي هذه الظواهر المتغيرة مايتعلق بالتبدل في المباديء والاعتقاد ، ومايتوزع بين الحب والكره ، خاصة حينما يصل الحب أو البغض إلى درجات قريبة من الإفراط أو التطرف .
الشاعر أبو الطيب المتنبي حينما أحب كافور الأخشيدي بعدما أجزل له العطاء ؛ أفرط في امتداحه مدحاً عظيماً ، فقال عنه :
قواصد كافـور تـوارك غيـره و من قصد البحر استقل السواقيا
فجاءت بنا إنسان عيـن زمانـه وخلَّتْ بياضـــاً خلفهـا ومآقيــا
ولكن حينما تضاربت المصالح بينهما صرخ المتنبي في وجه كافور – نفسه – بأبياته الشهيرة التي صار الناس لايعرفون كافور إلا بهذه الأبيات :
لا تشتري العبد إلا و العصا معه إن العبيد لأنجاس مناكيد
من هذه الظواهر التي يتم تدجين العقول وتحويل البغض الشديد إلى نقيضه ، هو ما يتعلق بأمريكا؛ تلك التي طالما خرجت الجماهير الغاضبة ( المبغضة لها) ونادت : الموت لأمريكا . ولطالما جعلت من أعلامها مداساً لأحذيتها أو تسابقت لنيل شرف إحراق أعلامها ، ولطالما اهتزت الأرض من الدوس على تلك الأعلام .
نقرأ واقعنا اليوم، وتبدلاته ، وما هي المرآة التي ننظر بها ونحن نبصر كل هذا القبح الذي يلف حياتنا من كل الجهات؟ الأوضاع الحرجة التي تكابدها الأمة العربية والإسلامية تتجاوز فلسطين والعراق والتي لم يعد بالإمكان عدم الاعتراف بفداحة تقصير الأمة في حقوقهما لتصل إلى الفعل الأخطر وهو تدجين العقل ليتناسب مع القيم البديلة التي تسربت إلينا مع جحافل الجيوش الغازية لمنطقة الخليج خلال السنوات القليلة الماضية ، القيم الرديئة التي غيرت ظاهرة البغض لأمريكا والدعوة لمحاربتها وحرق أعلامها وحولتها إلى حب دافيء وتسمية الأبنـــاء بأســـــماء ( أبطالهم وزعمائهم ) بل والدعوة إلى حمل أعلامها – التي كان يتم إحراقها في السابق – بجانب الأعلام الوطنية . وهكذا فتكت الإدارة الأمريكية بالمشاعر وذبحت مباديء الولاء والبراء .
مؤخراً صدرت تصريحات من الحكومة العراقية تدعو الأمريكان للبقاء في العراق – أكثر من 150ألف جندي – فترة أطول ، لم تحدد ( ربما للأبد ) وصدق الرسول الأغر حينما قال : ” أحبب حبيبك هوناً ما عساه أن يكون بغيضك يوماً ما ، وأبغض بغيضك هوناً ما عساه أن يكون حبيبك يوماً ما ” أو كما قال عليه الصلاة والسلام .