في الوقت الذي تتناقل بعض الروايات أن عدداً من الوزارات عندنا تتجه لإلغاء البند السابع عشر الذي ينص صراحة على مقاطعة الكيان الصهيوني في أي عقود أو اتفاقيات تتعلق بالتعامل معه أو من يمثله من الشركات والمؤسسات التجارية وغيرها ؛ تطالعنا الأخبار الواردة من بريطانيا يوم أمس أن ثاني أكبر نقابة عمالية ، وهي نقابة عمال الخدمات العامة (Unisson)تقرر مقاطعة البضائع الإسرائيلية والامتناع عن استثمار رؤوس أموال بريطانية في مشاريع اقتصادية في إسرائيل وأن هذا سيكون الموضوع الرئيسي لمؤتمر النقابة التي تضم في عضويتها أكثر من مليون عامل والمزمع عقده في أواخر الشهر الحالي . ونظراً للحجم الكارثي الذي يتوقعه الكيان الصهيوني جراء هذه المقاطعة والخسائر الجسيمة التي ستترتب عليه ؛ فقد بدأ “الهستدروت” وهو تجمع للنقابات في إسرائيل تحرّكا لوقف هذا القرار و توجيه الاتهام المعروف عندهم بمعاداة السامية .
على أن هنالك نقابة بريطانية أخرى سبق لها أن اتخذت ذات القرار ، وهي نقابة المحاضرين في الجامعات البريطانيـة والتي يبلغ عدد المنضـوين فيها نحو (115) ألف إذ قررت قبل بضعة أسـابيع مقاطعة المؤسسات الجامعية والتعليمية في الكيان الصهيوني ، وعزت قرار المقاطعة إلى استمرار تواطؤ الأكاديميين الإسرائيليين مع سياسة الاحتلال والقهر التي تمارسها دولتهم منذ أربعين عاماً ضد الشعب الفلسطيني. وتضمن قرار النقابة الأكاديمية بنداً يطالب الكيان الصهيوني بالإفراج عن الأموال الفلسطينية التي تحتجزها منذ فوز حركة “حماس” في الانتخابات الأخيرة، كما حض القرار أعضاء الاتحاد الأوروبي على عدم منح إسرائيل معاملة خاصة طالما أنها تخرق حقوق الإنسان في المناطق الفلسطينية .
وإذا كنّا نتفهّم عجز الأنظمة العربية – رغم ما يملكون من ترسانات عسكرية عادة ما تبلى وتصدأ في مخازنها – عن خوض غمار الدفاع عن العزّة أو الكرامة المستباحة أو الاستجابة لصيحات الاستغاثة وطلبات النجدة من الأيتام والثكالى والأرامل والأطفال الذين صاروا يصدّون بحجارتهم الشمّاء صنوف شتّى من الاجتياحات والاغتيالات ومثلها أنواع عديدة من المهانة التي تمسّ المسلمين جميعهم . وإذا كنّا نتفهم مساهمة الدول العربية في تشديد الحصار الاقتصادي الظالم على إخواننا الفلسطينيين ومحاصرة شتى أنواع المساعدات ومنعها عن الوصول إلى أولئك المرابطين في أرض الأقصى ومشاركتهم في زيادة وطأة معاناتهم . إذا كنّا نتفهّم ذلك ، فكيف لنا أن نقبل انشغال فكر السـاسـة العرب بقضية التطبيع مع الكيـان الصهيوني وتخليهم ليس عن المقاومة فقط ، بل تخليهم عن حتى مبدأ الأرض مقابل السلام ؟!
إنه لأمر غريب أن تتهافت دولنا العربية والإسلامية – علناً وسرّاً- لاسترضاء الكيان الصهيوني وتهرول من أجل أن تلغي مقاطعته بدون أي مقابل ، أبداً بدون أي مقابل بينما تنهض بمقاطعته مؤسسات لها ثقلها ووزنها وتأثيرها في المجتمع البريطاني كنقابة الأكاديميين وعمال الخدمات العامة البريطانيتين .
في الحقيقة ، قد لا نملك أن نرفع الضيم الجاثم على إخواننا الفلسطينيين ، وقد لا نملك رفع الحصار الظالم عنهم ، وقد لا نملك أن ندخل السرور على قلوبهم ، ولن نستطيع أن نشعر كل أسرة في فلسطين أننا نهتم ونتألم لهم ، قد لا نملك أن نقول لهم أننا نذكرهم في كل وقت وأننا لن نتخلى عنهم ، قد لا نملك كل ذلك ؛ لكننا نملك أن نقول أننا كلنا أهل فلسطين وأننا أقرب إلى فلسطين من الأعاجم وأولى منهم بمقاطعة المحتلين والسفاحين ، ليس على المستوى الرسمي فحسب وإنما كمؤسسات وشركات ونقابات وأفراد . ونشدّ – أخيراً – على أيدي الشيخ ناصر الفضالة رئيس اللجنة البرلمانية لمناصرة الشعب الفلسطيني في مطالبته بتبيان حقيقة ما تم تناقله من وجود عزم لدى بعض وزاراتنا لإلغاء ما يتعلق بمقاطعة الكيان الصهيوني .