لأن سلَم أولوياتنا مائل وقائمة اهتماماتنا ناقصة ، صار من الطبيعي أن يعود إلى البلاد عمر الجيران فلا يجد في المطار من يستقبله سوى أهله ثم يلتفت من حوله فلا يرى أثراً لكاميرات التلفزيون وميكروفونات الإذاعة ولا أقلام الصحافة . ولا تُقدّم له باقات الورود والأزهار ولا يُلقى عليه المشموم والياسمين . وإذا خرج من مبنى المطار لا تقع عينيه على حشود من الجماهير التي قد تنطلق به في مسيرة بالسيارات تطوف الشوارع والأحياء بالضبط كما يتم فعله عند استقبال لاعبينا ورياضينا .
وهذا هو حالنا للأسف الشديد ، بحيث أصبح طريقة تصنيف من يستحقون التكريم مائلاً أو مقلوباً وارتضيناه حتى صار سلوكاً مجتمعيا طاغياً تضيع فيه نجومية عمر الجيران وأمثاله من المبدعين والمبرزين في مجالات نحن أحوج ما نكون لتكريمها وإبرازها والاحتفال بها لعلّها تُصبح نماذج حقيقيـة قابلة للاحتـذاء والسـير على خطواتها . ولذلك لا تسـألوا لماذا أفلت الثقافة ( الحقيقيـة ) وانحسر الفكر ، وتهمّش دور المثقفين والمفكرين والمبدعين وإنتاجهم الذي غالباً لا يجدون من يعرفهم أو لا يُشار إليهم بالفضل والبنان إلا فيما ندر ، وعلى استحياء . وفي المقابل برز نجم الفنانين والرياضيين وأشباههم و…إلخ ، وأفردت لهم صفحات ومجلات وملاحق ، بل وحتى قنوات فضائية خاصة بهم . لا أحتاج للتدليل على ذلك سوى أن تقارنوا كيفية تناول وسائل إعلامنا للفوز الذي حققه عمر الجيران وأي فوز آخر يحققه أي لاعب أو فنان أو ممثل أو ( شرواهم ) !
ولكن من هو عمر الجيران ؟ وما لفوز الذي حققه ؟ هو ابننا الطالب ذي السبعة عشر عاماً بالصف الثاني الثانوي في مدرسة الهداية الثانوية الخليفية ومجموعه الدراسي حتى الآن (98.2%) وهو إداري ( متطوّع ) متميز في مركز البذور الصالحة التابع لجمعية الإصلاح وعضو فرقة أمواج للأناشيد الإسلامية ؛ فاز مؤخراً بالمركز الأول في جائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز وتم تكريمه يوم الأحد الماضي في دولة الإمارات العربية المتحدة وتسليمه جائزته وكأس التفوق . وجائزة حمدان بن راشد آل مكتوم للأداء التعليمي المتميز عبارة عن مسابقة بدأت منذ تسع سنوات في دولة الإمارات العربية المتحدة وتوسعت قبل ثلاث سنوات لتشمل دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية . وتعتمد الجائزة أربعة معايير لاختيار الفائزين بها ، وهي : السمات القيادية – المواهب والهوايات – التفوق الدراسي – المشاركات والمساهمات الاجتماعية .
في أيـامنا هذه وما اعتراها من متغيرات ســواء على المستوى المادي أو التقني أو الاجتماعي ، يجدر بنا أن نعيد تصنيف النجوم وتعريف مفهوم الأبطال وتحديد مصطلح من نعني بالقدوات ، ونستحضر مقاييسنا الحقيقية ، ونمعن النظر من حولنا لنفرز النماذج التي نحن في حاجة للاحتذاء بها ، فيهتم الآباء والمربون بعلاج ظواهر الافتتان والهيام بالفنانين واللاعبين و( شرواهم ) التي صارت صفات لازمة لكثرة من الأبناء الذين نعقد عليهم صلاح مجتمعاتنا ورقيها . أليس من الأولى أن نعرّف أبناءنا بعمر الجيران ليحذون حذوه في تحصيلهم الدراسي وأداءهم العلمي الذي هو بوابة مستقبلهم . على العموم ألف مبروك لابننا عمر الجيران وألف مبروك لوزارة التربية والتعليم ، وقبل ذلك ألف مبروك لوالديه وأهله .