راصد

غزة .. شامة فخر وعزّ وحياة للأمة !

كأنما يراد للفلسطينيين أن يبقوا جماداً بين الأحياء ويفقدوا إنسانيتهم ويتخلوا عن كرامتهم ، ولا يدافعوا عن أرواحهم وأعراضهم وأوطانهم ومقدساتهم ، ولاتهزّهم مناظر القتل والظلم ولايؤثر فيهم الحصار والتجويع ولاتستثير كل هذه المجازر والمذابح الرغبة عندهم في الانتقام ولا تدفعهم هذه الدماء والأشلاء على الأقل للمقاومة والرد على جزاريهم . بل ويجب عليهم أن يصمتوا ويصبروا على ذبح أهاليهم وأبنائهم ، وألا يحزنوا على احتلال أرضهم والعبث بمقدساتهم وتضييع بناهم ومقدّراتهم ، وعليهم ألا يفعلوا أي شيء تجاه كل ذلك ليبرهنوا للســـلطة الفلسطينية بقيادة محمود عباس ولعموم الأنظمة العربية ولحكومة الكيان الصهيوني والبيت الأبيض أن الســلام والأمن والاســـتقرار إنما لا يتــأتى إلا عن هذا الطريق الخانع المــذل !! وأن استرداد أوطانهم والدفاع عن أنفسهم وأبنائهم وأهاليهم  لا يأتي إلا عن طريق هكذا نوع من التضحيات والإهانات حتى لو استدعى الأمر مصافحة الجلادين وعناق الجزارين وتبادل القبلات مع هؤلاء مصاصي الدماء . وخلاف ذلك يجعل الفلســطينيين إرهابيين متشــــددين يتحركون ضد الســلام العالمي ، ويتهمون بتقويض أركان الأمن والاســـتقرار في المنطقة ، ويجب مطاردتهم وحصارهم وتضييق الخناق عليهم وتجفيف منابعهم .

 فعندما يُقتل الفلسطيني كما حدث بالأمس أو يكون هدفاً مســـتباحاً هو ومنزله وأبناءه وأحفاده وكل أسرته ، لا تفرق الطائرات بين كبيرهم وصغيرهم ، ولابين شيخهم ومريضهم ، ولابين رجالهم ونســـائهم ، فهنا القتــل مشروع ومبـــاح ولا علاقة له بالإرهـاب ، أما إذا دافع الفلســـطينى ورد الاعتبار لنفسه وانتقم انتقاماً طبيعيــــاً عن كل تلك الدماء والأرواح التي أزهقت وفُتك بها ، أو قاوم دفاعاً عن أرضه وعرضـــه وشرف مقدسـاته فإن كل ذلك يعتبر إرهاباً وسـلوكاً عدائيـــاً غير مقبول ويستحق فاعله الاغتيال أو الملاحقــة ، وغالباً مايكون عمله ومقاومته هدفاً لبيانـــات اســـتنكار وتنديد الســلطات الفلسطينية والأنظمة العربية التي عادة ما تسبق غيرها من البيانات الصهيونية والأمريكية .

وإزاء هذه المفارقات التي هي أقرب لخيانة العقل والمنطق قبل أن تكون خيانة للضمير والمسؤولية ؛ وأمام مجزرة غزة  يوم أمس ؛ يحق لنا أن نتساءل : على من نحزن ؟! على الشهداء الفلسطينيين الذين ارتقوا إلى بارئهم ونالوا شرف الشهادة في سبيل الله كأفضل مايعطي الله عباده مصداقاً لقول المصطفى صلى الله عليه وسلم : ” إن أفضل ما يؤتيه الله عبداً صالحاً أن يُقتل في سبيل الله ” أم على حال القادة والأنظمة العربية التي هانت وذلت وتواطئت إلى درجة أنها ترى دماء الفلسطينيين تسيل في الشوارع لكنها لا تستطيع حتى تقول – مجرد القول- للكيان الصهيوني الغاصب ولحلفائه الأمريكان : أما آن لكم أن ترعووا ؟ أو أما كفاكم ضحكاً على ذقوننا ؟ أو اتركوا لنا شيئاً يغطي عوراتنا أو احفظوا ماء وجوهنا أو ارحموا ضعفنا وذلَ مواقفنا وصورنا أمام شعوبنا .

وقديماً قال الشاعر عنهم ، كأنه يقصدهم :

من يهُن يسهل الهوان عليه                    مالجرح بميت إيلام

أما الدماء الفلسطينية الزكية التي ارتقت إلى رب السموات والأرض  إنما هي في حقيقتها أو نتيجتها شامة فخر وعز للأمة ، وحياة لها حتى لو تصورها الآخرون هي موت ونهاية . يقول الشهيد سيد قطب : ” إن كلماتنا ستبقى ميتة عرائس من الشمع لا حراك فيها حتى إذا متنا في سبيلها نهضت ودبت فيها الحياة وعاشت بين الأحياء” إن موت الشهداء هو تأصيل وتثبيت وإعادة حياة لقضيتهم واستمرار جهادهم من أجلها . فاللهم احفظ أهالينا في غزة وثبت أقدامهم وانصرهم على عدوهم وانتقم لهم يا جبار الكون من اليهود وأعوانهم وعملاءهم ومن تواطأ معهم .

أضف تعليق