قبل حوالي أربع سنوات من الآن ، وبالضبط في 28 أغسطس 2005م خيم الحزن على الأنظمة العربية حينما ضرب إعصار كاترينا مدينة نيو أورليانز الأمريكية وأحدث فيها كارثة إنسانية تألم لها الساسة والقادة العرب واعتبروها كأنما المصيبة حدثت في بلدانهم ، وأن الضحايا هم من مواطنيهم وإخوانهم ومن بني جلدتهم . وعلى إثر ذلك انفتح باب المساعدات العربية الرسمية لأمريكا ( الغنية ) وتنافس المتسابقون إليه فيما يشبه المزاد ؛ فمنهم من قدم (100) مليون دولار ومنهم تطوّع ب(250) مليون دولار وأكثرهم حزناً تبرع بنصف مليار ! وما هي إلا بضع أيام حتى أُذهل الأمريكان من حجم المساعدات العربية السخية جدا ومن هذا التعاطف والتضامن غير المسبوق وغير المتوقع من هذه الدول العربية التي لم تعتد على تقديم هذه المعونات الحاتمية لكوارث إنسانية مشابهة تحدث في جوارها من البلدان العربية والإسلامية هي بالتأكيد أكثر حاجة وتضررا وخزائنها أسوأ من الخزينة الأمريكية .
نعم حدث ذلك ، وكان علناً وليس سرّاً ، وكان مجالاً خصباً للتفاخر والتنافس على كسب مودة الأمريكان وإظهار الولاء وبيان مقدار الحبّ لهم بهذه الصورة التي يحق لنا أن نحزن ونتحسّر عندما نتذكرها في هذه الأيام أمام الحصار المفروض على إخواننا في الإسلام والعروبة ، وحاملي لواء الدفاع عن مقدساتنا ، المرابطون في قطاع غزة ؛ المنكوب بالحصار الظالم والاعتداءات الغاشمة . حفاة عراة ، تفترسهم الاغتيالات وتفتك بأرواحهم مختلف آلات الحرب الصهيونية ، وهم ليس لديهم طعام ولا شراب ولا دواء يكفيهم ويسدّ عوزهم وقد قلبت لهم الأنظمة العربية ظهر المجن ، واختارت لنفسها موقع المتفرّج وتركتهم وهم مليون ونصف مليون فلسطيني دون أن نسمع أن أحدهم قد قدّم لهم ولو شيئاً بسيطاً من ملايين السخاء العربي التي انهمرت على ضحايا إعصار كاترينا في عام 2005م .
إنها مفارقة ومدعاة للخجل أن لا تجرأ الأنظمة العربية على مد يد المساعدة للإخوة الفلسطينيين الذين تسحقهم الدبابات والطائرات الصهيونية بوحشية لا مثيل لها ، وتُحاط مدنهم وقراهم بحصار لم يحدث مثله في التاريخ المعاصر ، وتستصرخنا الآلاف من نسائهم وأطفالهم دون أن تثير في قادتنا وساستنا شيئاً من تلك النخوة والشهامة التي تحلّو فيها في 28 أغسطس 2005م لإنقاذ وإغاثة مدينة نيو أورليانز الأمريكية !!