يروى في تاريخ الولاة والأمراء أنه حينما فكّر أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه في اختيار الوالي المناسب لولاية حمص في بلاد الشام ، وقع اختياره على الصحابي الجليل سعيد بن عامر، ولكن سعيدا اعتذر قائلا : لا تفتني يا أمير المؤمنين . فلقد عدّ هذا الصحابي استلام ولاية حمص فتنة له وانشغالا بالدنيا عن الآخرة، فيصيح به عمر قائلا : ” لا أدعك ، تضعون أمانتكم وخلافتكم في عنقي، ثم تتركوني !؟ فما كان من سعيد بن عامر إلا ّ أن وافق على طلب عمر .
وبعد فترة من ولايته لحمص ؛ جاء وفد من أهاليها إلى عمر بن الخطاب يشكون سعيد بن عامر في عدة أمور ، فدعاه عمر ليتثبت من شكواهم ، وكان مما طرحه عليه ، استياء أهل حمص من أنه تصيبه من حين إلى آخر غشية فيغيب عن وعيه في مجلسه ، وهو الوالي ! فسأله عمر عن ذلك ، فقال سعيد بن عامر : شِهدت مصرع خبيب بن عدي وأنا مشرك ، ورأيت قريشا تقطّع جسده وهي تقول : أتحب أن يكون محمد مكانك ؟ فيقول : والله ما أحب أن أكون آمنا في أهلي وولدي ، وأن محمد تشوكه شوكة ، وإني والله ما ذكرت ذلك اليوم وكيف أني تركت نصرته إلا ظننت أن الله لا يغفر لي . وتصيبني تلك الغشية .
ويمكننا أن نتصوّر : كم من خبيب بن عدي يُذبح أمامنا ، وتُقطّع أجسادهم من حولنا وتتناثر أشلاءهم ونرى مشاهد قتلهم وإبادتهم ، في العراق وفي فلسطين وفي بقاع شتى من ديار المسلمين من دون أن تحرّك في النفوس مثل تلك الغشية التي كانت تنتاب سعيد بن عامر كلّما تذكّر أن المولى عز وجل سيسأله : ماذا فعل لنصرة خبيب بن عدي ؟
وبالتالي لا عجب أيضاً أن نقرأ في تاريخ الولاة والحكام أن تصل خشـية الله ومراقبته والخوف من حســابه لدى الفاروق عمر بن الخطاب مرتبة عظيمة وحساسة ، بحيث يرى أن من يتولى مسؤولية الحكم ؛ لا تقتصر رعايته وحمايته للبشر فحسب ، وإنما تمتد أيضاً للحيوانات والبهائم ، فيقول رضي الله عنه ، في ساعة خوف من الله : ” لو أن بغلة ً في أرض العراق عثرت ، لخشيت أن يسأل الله عمر يوم القيامة : لِِمَ لَمْ تمهد لها الطريق يا عمر؟ ” ولاشك أن جبّار السموات والأرض سيحاسبنا عن مواقفنا وأعمالنا – حكاماً ومحكومين – عن مئات الآلاف من إخواننا المسـلمين ، من أبناء جلدتنا الذين تعثّروا ، ويُحاصرون ويجوّعون ويُقتلون الآن في قطاع غزة .