راصد

فاربأ بنفسك أن ترعى مع الهَمَل

من أسوأ المظاهر الإدارية وأكثرها فشلاً هو أنه حينما يتقلد أحدهم منصباً إدارياً أو قيادياً ؛ تراه يفرح بمنصبه فرحاً عظيماً ويظن أن ذلك منتهى آماله وطموحاته ، ثم يتحول بواسطة هذا المنصب من موظف نشط ومبدع وشغف بالإنجاز إلى إنسان آخر ، فيجمد طاقاته ويهمل خبراته ويفقد مهاراته ويقصر عمله على نوع من الهالات والسياجات التي تقربه أكثر فأكثر من شخصية ( السي سيد ) .

وبالتالي لا يكون له من عمل أو إنجاز واضح يشار إليه بالبنان ، ولايضع يديه مع مرؤوسيه في مهامهم ولايشاركهم في تكليفاتهم ، ولايكلف نفسه عناء حتى معرفة كيفية تأديتها ، ولو من باب العلم بالشيء أو الثقافة به  ، ولا تقوى أنامله على صياغة سوى مجموعات الأوامر والنواهي ، ولاتنفتق ذهنيته الإدارية إلا عن توزيع الأعمال والتهرب منها .

أقواله أكثر من أفعاله ، سيئاته حسنات ، وزلاته وأخطائه توجيهات ، خاوياً من الأعمال ، يدخل مكتبه ويخرج منه خالياً ( أبيض في أبيض ) إلا من مهام الإشراف والمتابعة على طريقة صاحبنا ( السي سيد) الذي يدير العمل من علوه وشاهق برجه دونما أن يكون له دخل أو مشاركة فعلية في إنجازه أو تطويره أو تقويمه .

تشرفت بالعمل في إحدى لجان الاستفتاء على ميثاق العمل الوطني في شهر فبراير 2001م ، كان عملي بسيطاً ، وكنا حوالي أربعة أشخاص ، نستقبل المواطنين فنفحص جوازاتهم ونطابقها ، ثم نسجلها ونختمها ، في فترة من فترات العمل زاد عدد المواطنين وامتـــدت طوابيرهم ، كنا نبذل قصارى جهدنا على تسريعهم وتلافي تأخيرهم ، الجهد والتعب وكذلك الحرج كان شعورنا ، وبينما كنا كذلك جلس بجانبي شخص مرتدياً بشته وصار يقوم بنفس عملنا ( استقبال المواطنين ومطابقة جوازاتهم وتسجيلها وختمها ) كان هذا الشخص هو الشيخ أحمد بن عطية الله آل خليفة الذي هو مايسترو لجان الاستفتاء والمسؤول عنها آنذاك ، وهو الذي نبارك له الثقة الغالية بتعيينه وزيراً لشؤون مجلس الوزراء .

يتصور بعض المسؤولين أن مشاركته للعاملين في أعمالهم تقلل من شأنه أو تنزل من مستواه ، غير أن العكس هو الصحيح ، فالروح الجماعية المتفتحة ترفع من شأن المسؤول وتعطيه قوة فوق قوته وتضفي عليه احتراما وتقديراً قد لا يحصل عليه إلا بهذا الأسلوب ، كما تعد من أبرز عوامل نجاحه في القيادة وتأثيره على الأفراد والأعمال.

إن المسؤولين في مواقعهم ماهم إلا قدوات لغيرهم وأدوات تحفيز لما دونهم ، لهم أعمال واضحات ينجزونها ومهام مشهودة ينفذونها ، المنصب بالنسبة لهم تكليف تتضاءل دونه سائر التشريفات ، والسلطة مسؤولية يتحملونها  ، ووظائف مرؤوسيهم يعرفون تأديتها ويجيدون ممارستها ويتقنون تقويمها وتطويرها .

و المسؤولون في مواقعهم قدرات نابضة بالحيوية والعطاء ، ينكرون ذاتهم ، ويتواضعون في أدائهم ، ويمارسون – عند الحاجة وفي الملمات- أعمال غيرهم ، وينزلون- إذا اقتضى الأمر –  لمستويات من هم دونهم ، عارفين ومتقنين لسائر أعمال من يرأسونهم ، وحتى قد يتفوقون فيها ، وليسوا جاهلين أو غرباء عنها .

أضف تعليق