راصد

فاطمة جعفر المعلم

يحسب كثير من الناس أن الرزق بيد المخلوق وليس بيد الخالق ، وتراهم قد رتبوا حياتهم على مجرّد أسباب تعلّقوا بها ؛ يخشون اضطرابها ويفزعون لانقطاعها أو لاهتزازها دونما أن يعلموا أن المولى عزّ وجل هو المصدر الحقيقي للرزق . وقد قال سبحانه وتعالى في محكم التنزيل : ” وما قدروا الله حق قدره ” . ففي حساباتنا البشرية السـاذجة نعجب كيف يمكن لأرملة مات عنها زوجها تاركاً لها سبعة من الأبناء أن تُعيلهم ؛ تطعمهم وتُلبسهم وتُسكنهم وتتدبّر سائر شؤونهم ثم تُعلمهم وتدفعهم لمواصلة دراستهم الجامعية ويتمكنوا من الحصول على أعلى الشهادات الجامعية ويرتقوا من الوظائف أفضلها ؟! وذلك من دون أن يبقى لها مصدر دخل بعد فراق زوجها ورحيله عن دنياها ؟!

في الحسابات البشرية غالباً ما يكون مصير مثل هذه الأرملة هو أن  تندب حظها وتشكو حالها وتستسلم لعجزها وحاجتها فتركن إلى المساعدات وتترك أبناءها يأكلون ويشربون ويتعلّمون كغيرهم وأمثالهم ممن ابتلوا بمصائب فقد أولياء أمورهم ومعيليهم .  وقليل من الناس من يحيلون المحن إلى منح ويبدأون حياة أخرى انطلاقاً منها ، قد تكون قاسية وشديدة ، وهي بلا شك كذلك لكنها بالنسبة للأرملة فاطمة جعفر المعلم التي رحل عنها زوجها وهي في الأربعين من عمرها صارت محنتها قصة نضال ومعاناة تحملت فيها ما يملّ منه الرجال ويعجزون عن رقيّه ، كان سلاحها لمسات وفاء للراحل زوجها وأدواتها عزائم وهمم أكبر من أن تفتّ في عضدها أو تُوهن حيويتها أو تضعف حملها لأمانتها التي كانت عبارة عن سبعة أبناء كان عمر أكبرهم عند موت زوجها (23) سنة بينما لم يتجاوز أصغرهم الثلاث سنوات .

فاطمة لا تحمل عند وفاة زوجها أي مؤهل علمي ، لم تدخل المدارس ولا الجامعات غير أن صمودها وحرصها على تربية أبنائها بعد ترملها دفعها للالتحاق بمدارس محو الأمية – وهي في الأربعين من عمرها آنذاك – علّها تجد فيها ما يعينها على مواصلة درب تربية أبنائها . ولمّا تعاظمت حاجات الأبناء ؛ عملت على تربية الدجاج وبيع بيضه وبعدها تقوم بشراء بعض المواد الغذائية وبيعها على الأطفال لتسترزق منها ما يسدّ حاجاتها مع أبنائها . وحرصت على تعويد أبنائها على تحمّل المسؤولية وكانت لهم كالأب في توجيهاته لهم بالاعتماد على أنفسهم وكالأخ في متابعاته لهم فضلاُ عن الأم في حنانها بهم .

أما الحصاد ؛ فإن جميع أبناء فاطمة  قد درسوا حتى المرحلة الجامعية ، ستة منهم أنهوا دراستهم والتحقوا بالعمل . اثنان منهم الآن استشاريان : أحدهما استشاري طب نفسي والآخر استشاري أطفال ، وثلاثة يحملون شهادة البكالوريوس : أولاهما مدرسة أولى وآخر مهندس والثالث مراقب حسابات.  وابنة تحمل شهادة الدبلوم وهي تعمل في وزارة الصحة ، والأصغر مازال يدرس بالسنة الرابعة الجامعية في تخصص الطب .

تقول فاطمة الآن بعد أن قضت (18) سنة في حياة الترمل وبلغت من العمر (58) سنة أنها تحمد الله على كل شيء ولم تندم على أي عمل أو قرار اتخذته في وقت الشدة بل هي راضية عن كل ما  مضى وترى أن كل ما وصل له أبناءها هو توفيق من الله ، فهاهم يجنون ثمرة جهدهم وليس مجرد حظ من الهواء وهي فرحة بهم وتشكر ربها أن وفقها لحسن تربيتهم وإكمال مسيرة والدهم  فاستحقت بذلك جائزة سمو الراحل الشيخ فيصل بن حمد للأم المثالية في الحفل الذي نظمته مؤخراً – مشكورة-  المؤسسة الخيرية الملكية برعاية كريمة من معالي الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة وزير الديوان الملكي .

أضف تعليق