راصد

فاقـد الشـيء لا يعطيـه

كفى بالموت واعظاً .. جال بخاطري ذات مرة هذا الحديث الشريف للرسول صلى الله عليه وسلم وأنا وسط الساحة المقابلة لإحدى المقابر انتظاراً لأداء صلاة الميت على أحد الرجال الذين قضوا نحبهم ، ومن ثم  تشييع جنازته  في موكب حزين . وبينما كانت أجواء وملابسات الموقف تنم عن حزن وفجيعة مؤلمة يغص بها المكان والزمان ، فالموت وفجائيته ومكانة الفقيد ثم رهبة المكان الذي نقف فيه بالقرب من الأموات الذين تحيط بنا قبورهم من كل مكان على مدّ البصر حتى يُخيل إليك كما قال الشاعر إن أديم الأرض من رفاة العباد ! وبينما نحن في حضرة هذا الموقف الروحي الرهيب الذي تتقاطر إليه العشرات من أقارب وأصدقاء الفقيد تجوّلت بنظري فيمن حولي حتى استوقفني منظر أحد أقارب المتوفى وقد تقاطع مع رهبة الموقف واعتلته روح الاستعلاء في حضرة الموت وهيبته وجلال المناسبة ، وانتظر خارج المسجد ليؤدي الناس صلاة الميت على الفقيـد فيـكون صاحبنا هذا ( خارج السياق ) لم تنخنع نفســـه وتذلّ لبـارئها حتى لمجرد أن يؤدي الصلاة – مجرّد الصلاة – على قريبه العزيز لديه !! ولكم أن تتصوروا مقدار الصلافة والجحود لهذا الشخص الذي لم ينفع معه تواضع الجميع وغزارة الدموع آنذاك لسكون الخشوع للنهايــة التي آل إليها قريبه وسيؤول إليها كل إنسان .

وشخص آخر استنكر ذات مرة على البعض شدّهم الرحال للديار المقدسة لأداء مناســك العمرة وعاب عليهم فعلتهم ، وازدرى مناسكهم وصنعتهم وحقّر لباسـهم الذي قال عنه تقفــون ( سلط ملط ) هناك كالذين يرقصون حول الأصنام ؛ واستنكر السفر إلى هذا المكان وبذل الأموال  والمزاحمة عليه ! 

وشخص آخر لم يمنعه حياءه من الاستهزاء بالإسلام أمام جمع من الناس حتى في أدق التفاصيل فقال لهم إذا مت لا أريد تغسيلكم لي في (المغيسل ) ولكن غسلوني في الغسالة !!

وشخص آخر لا يتردد من أن يضع على مكتبه ( ترمس ) شاي وبضعة سندويشات ليشربها ويأكلها بكل وقاحة في نهار أيام شهر رمضان المبارك ، وهو فعلٌ لا يجرأ على القيام به حتى المرضى وأهل الرخصة في شهر الصوم والعبادة !!

هذه الأمثلة وغيرها إنما هي لنماذج موجودة – للأسف الشديد- بين ظهرانينا ويتسمّون بأسمائنا ، ولا ضير في ذلك فهي أمور في نهاياتها خاصة بهم ، ولهم رب سيحاسبهم عليها ، نسأل الباري جلّت قدرته أن يعيدهم إلى صوابهم وينفع بهم أنفسهم وأهاليهم وذراريهم . ولكن من هؤلاء النفر من لديه قلم يظهر به علينا في بعض الصحف بين حين وآخر يتجاسر به على المتدينين والملتزمين وحتى خطباء الجمعة فيطعن في تدينهم ويوجههم ولا يتورع أن يكذب في حقهم أو أن يقول أنه أفضل وأعرف منهم بالإسلام و… إلخ وقد فاته ما قيل قديماً  : إذا أتتك مذمتي من ناقصٍ فهي الشهادة لي بأنني كامل .

اعتذار :

اعتذر لجميع الطلبات التي وردتني وفاقت حتى الآن (90) – مابين رسائل إلكترونية أو رسائل ومكالمات هاتفية ، بعضهم أعرفهم وأكثرهم لا أعرفهم – للرد على ما يتم شنّه على الإسلاميين هذه الأيام من حملة غير مفهومة دوافعها ، وغير مبررة؛ حيث أنني قد رسمت لنفسي مستوى وحدوداً معينة من الصعب أن أتنازل عنها ، فالكتابة رسالة وفن وليست إسفاف وابتذال . وأرجو من الجميع أن يتحلوا بالتسامح والهدوء ويتأسوا برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا تستفزه ولا تثير غضبه عليه الصلاة والسلام حتى حوادث مثلما روى أنس بن مالك الذي قال : بينما نحن في المسجد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم  إذ جاء إعرابي فقام يبول في المسجد فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم : مه مه ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لا تزرموه ، دعوه) فتركوه حتى بال ثم إن رسول لله صلى الله عليه وســـلم  دعاه فقال له : ( إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر إنما هي لذكر الله عز وجل والصلاة وقراءة القرآن – أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – قال: فأمر رجلا من القوم فجاء بدلو من ماء فشنه عليه. رواه البخاري ومسلم – واللفظ له – وفي رواية للترمذي وغيره: ( أهريقوا عليه سجلا من ماء أو دلوا من ماء ) ثم قال: ( إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين).

أضف تعليق