راصد

فتنة للتابع والمتبوع

كثيراً ما نصادف في حياتنا شخصيات أغرتها المناصب التي يرتقونها أو الأموال التي يسّر المولى عز وجل لهم امتلاكها واكتسابها  أو العلوم والشهادات التي نالوها فتبدّلت أحوالهم وارتفعت أنوفهم ودفعوا بصدورهم إلى الأمام  وتغيرت نظراتهم وكلماتهم وتخلّوا عن أقربائهم وأقرانهم  . وأصبح الغرور داءهم العضال الذي لا يستطيعون إرضائه إلا بالمزيد من التفرّد والتكلّف .

    وصاروا لا تأنس أنفسهم إلا في أوساط التجّار وكبراء القوم وغالباً ما يهجروا نواديهم وديوانياتهم ويستبدلونها بمقاهي لا يدخلها إلا علية القوم . أما إذا مشوا فإنهم لا يحلوا لهم هذا المشي إلاّ وسط أتباعهم أو مجموعات من ( الباديكار ) ويكون هذا المنصب أو المال أو الشهادة العلمية بمثابة  إغراء لا يُقاوم ولا يمكن كسره ، بل إنها –أحياناً- تفقدهم التوازن الذي كان مألوفاً عنهم في سابق حياتهم . ويترتب على ذلك أن لا يكون لعامة الناس من سبيل لمقابلتهم وطرح مسائلهم عليهم ومن الصعوبة بمكان أن يبادروا الناس بالسلام والتحية  . فيكون غرورهم سبباً لانحرافهم وضلالهم  وتعاظم المسافات وتضخمها مع عامة الناس . وعلى النقيض من ذلك تجد بعض من أكرمهم المولى عز وجل ووفقهم لرفعة الدين أو خدمة وطنهم أو ملّكه مالاً وفيراً أو غير ذلك من المنـازل والمراتب التي يتهافت عليها الآخرون تبقى أحوالهم دون تبديل ، وعادة ما يشكرون ربهم على نعمته وفضله بزيادة خدمة الناس والوقوف معهم والنزول إليهم فيكونون الأقرب إلى عامتهم وفقرائهم والقيام على شؤونهم وحاجاتهم ، أسوتهم في ذلك  رسول الله صلى الله عليه وسلم  الذي ناداه ذات مرة رجل: ” يا سيدنا وابن سيدنا ” فقال عليه الصلاة والسلام : ” لا يستهوينكم الشيطان، أنا محمد بن عبدالله ، عبدالله ورسوله، والله ما أحب أن ترفعوني فوق منزلتي” وكان أصحابه إذا رأوه قادماً عليهم لم يقوموا له، وهو أحب الناس إليهم، لِما يعرفون من كراهيته لقيامهم. وكان يكره أن يمشي أصحابه وراءه، وما كان يغلق دونه الأبواب ، وكان من أراد مقابلته يقابله ، صلى الله عليه وسلّم .

          ويُروى أنه حينما كان عمر بن الخطاب أميراً للمؤمنين جاءه ذات مرة وفد من العراق يقودهم الأحنف بن قيس فإذا بهم يفاجأون بأمير المؤمنين في حظيرة الإبل يغسل الإبل بنفسه؟ و إذا به يقول للأحنف – وهو سيد من سادة العراق – ” يا أحنف تعال وأعِن أمير المؤمنين على غسل إبل الصدقة ” ، فقال رجل من الوفد : ” رحمك الله يا أمير المؤمنين هلا أمرت عبدا من عبيدك ينظف هذه الإبل “، فيقول عمر : “وأي عبد هو أعبد منى ومن الأحنف بن قيس ؟ ألم تعلم أنه من ولي أمراً من أمر المسلمين كان له بمنزلة العبد من السيد؟ “

    وخرج الصحابي الجليل عبدا لله بن مسعود رضي الله عنه ذات مرة فخرج معه أصحابه يُشيعونه فسألهم هل يريدون شيئاً قالوا: لا إنَّا رأيناك تمشي وحدك فمشينا معك فقال: اذهبوا عني فإنها فتنة للتابع والمتبوع

أضف تعليق