راصد

فلسطين سلام.. لا آبارتيد

هو عنوان كتاب صدر عن دار نشر سيمون اند شوستر خلال هذا الشهر في (264) صفحة ويتكون من (16) فصلا ومقدمة وخاتمة بالإضافة إلى ملاحق تحتوي على نص اتفاقيـة كامب ديفيــد  وقـرارات الأمم المتـحدة: القــرار (242) لسنة 1967 و (338)  لسنة 1973  و(465) لسنة 1980، ومسودة المبادرة العربية للسلام ، ورد إسرائيل على خطة خارطة الطريق في مايو 2003، ذلك بالإضافة إلى العديد من الخرائط التي توضح تطور الصراع العربي الإسرائيلي منذ قرار الأمم المتحدة عام 1947 بتقسيم فلسطين وحتى الآن .

 ويكتسب هذا الكتاب أهمية كبرى ليس لموضوعه فحسب وإنما بسبب صاحبه ومؤلفه ، وهو ذات السبب الذي جعل الكتاب هو الأكثر مبيعاً في الولايات المتحدة ؛ فمؤلف هذا الكتاب هو عراب اتفاقية كامب دايفيد التي أخرجت مصر من الصف العربي آنذاك  ، الرئيس الأسبق للولايات المتحدة الأمريكية جيمي كارتر الذي تربع على عرش البيت الأبيض خلال السنوات 1977- 1981 وشهد عهده الكثير من التطورات الدولية لعل أهمها سقوط شاه إيران وانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية .

وجيمي كارتر ليس كغيره من الرؤساء الأمريكيين الذين عادة مايتفرغون لشؤونهم الخاصة بعد انقضاء فترة عملهم الرئاسية  ويكونون في معظم الأحوال لا يسمع عنهم إلا القليل ، إذ ظل كارتر ناشطاً في الشأن العام وأسس معهداً بإسمه يهدف لحل النزاعات والصراعات الدولية والإقليمية وقام في هذا السبيل بعدد من المبادرات في أنحاء مختلفة من العالم .

كتابه المثير : فلسطين سلام.. لا آبارتيد ( لافصل عنصري ) تناول في مقدمته تسلسلا تاريخيا للأحداث الكبرى التي شهدتها الأراضي المقدسة  منذ انتقال إبراهيم عليه السلام من العراق إلى أرض كنعان وحتى مقاطعة الولايات المتحدة وأوربا حكومة حماس  مع التركيز على تطور الصراع العربي الإسرائيلي ، فيما تطرقت الفصول الخمسة الأولى من الكتاب إلى خبرة وذكريات الرئيس كارتر الشخصية مع الصراع العربي الإسرائيلي وعملية السلام، حيث بدأ بسرد تفاصيل أو ل زيارة قام  بها لإسرائيل عام 1973 قبل أن يصبح رئيسا. وكيف أن هذه الزيارة قد كشفت له عن واقع جديد لم يكن يعرفه من قبل عن طبيعة الحياة في إسرائيل وتفاصيل معاناة اللاجئين الفلسطينيين في الداخل والخارج. ثم يتحدث عن فترة رئاسته التي كانت إحدى أولوياتها تحقيق السلام في منطقة الشرق الأوسط مستهلا بتوضيح كيفية تأثير حرب أكتوبر 1973 في تغيير موقف إسرائيل الذي يسيطر عليه منطق القوة والتفوق العسكري. ويكشف كارتر في صفحات هذه الفصول عن تفاصيل وجهود اتصالاته المكثفة والمطولة مع اللاعبين الأساسين في الصراع خاصة مناحم بيغن وأنور السادات، وتطرق كارتر إلى الحديث عن فشل جهوده لإقناع سوريا والأردن ومنظمة التحرير بالتفاوض.

ويستعرض الرئيس كارتر في الفصول التالية إخفاق كافة جهود السلام عبر الإدارات الأمريكية المختلفة قائلا : ” إنه ومنذ معاهدة السلام بين مصر وإسرائيل عام 1979 أريقت دماء كثيرة بلا ضرورة ، وتكرر مشهد فشل مبادرات السلام  واحدة تلو الأخرى بين إسرائيل وجاراتها في خلال سنوات إدارة الرئيس ريغان ومن بعده جورج بو ش الأب . ويضيف كارتر أن هناك عائقين أمام إقامة سلام حقيقي ودائم في الشرق الأوسط هما:

–   بعض الإسرائيليين يؤمنون بأن لديهم الحق في احتلال والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية وتبرير ذلك.

–  بعض الفلسطينيين يباركون العمليات الانتحارية ويعتبرون منفذيها شهداء وتصوير قتل الإسرائيليين على انه تحقيق انتصار”
ونتيجة لذلك هناك- طبقا لوجهة نظر كارتر – دائرة مفرغة  تنشأ بسبب القمع الذي تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين من جهة ورفض الجماعات المسلحة الفلسطينية الاعتراف بإسرائيل والرغبة في تدميرها من جهة أخرى. وتصبح محصلة هذه الدائرة المفرغة من العنف مقتل وإصابة الآلاف من الضحايا وتراجع أمال حلول السلام في الأفق، فمنذ شهر سبتمبر عام 2000 وحتى مارس 2006 قتل 3982 من الجانب الفلسطيني و1084 من الجانب الإسرائيلي ومن بين القتلى كما يذكر كارتر ضحايا من الأطفال في الجانبين، حيث قتل 708 طفلا فلسطينيا و123 طفلا إسرائيليا.

    وبعد أن استعرض كارتر في كتابه نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي كان هو وزوجته من مراقبيها ، وبعد أن وصف واقع الحصار المفروض على الفلسطينيين بسبب نتائج الانتخابات ووصول حماس إلى السلطة، انتقل الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر في الفصل الأخير من الكتاب للحديث عن الجدار العازل بوصفه سجن للفصل العنصري حيث يقول كارتر  إنه مع إحكام إسرائيل السيطرة على القدس الشرقية  ومحاصرة الجدار العازل لما تبقى من الضفة الغربية، وفي ظل بقاء آلاف المستوطنين شرق الجدار في حماية قوات احتلال كثيفة، فإن الإغواء الذي يغازل بعض الإسرائيليين هو عدم وجود أي ضرورة أو جدوى من إجراء محادثات سلام مع الفلسطينيين.  وكان تحرك بعض الساسة الإسرائيليين في السنوات الأخيرة لاتخاذ قرارات وسياسات أحادية الجانب انطلاقا من هذه المعطيات معتقدين أن سياسة الحواجز والجدران هي الوسيلة الناجعة لحل المشكلة الفلسطينية.

ومن الطبيعي ألا يحتمل اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة أي خروجٍ عن طوعه من الساسة والمثقفين الأمريكيين، حتى لو كانوا قد قدموا له خدماتٍ جليلةٍ من سابق الزمان كمثل صاحب الكتاب الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر ، ولذلك تم مواجهة الكتاب بحملة مضادة قد تصل في نهاياتها باتهام كارتر ( العرّاب الأول لعمليات السلام أو الاستسلام ) بمعاداته للسامية !! وقد قامت نانسي بيلوسي، المتحدثة باسم الغالبية في الكونغرس الأمريكي بإصدار بيان قبل نشر كتاب جيمي كارتر، قالت فيه “إن الرئيس السابق لا يتحدث باسم الديمقراطيين فيما يتعلق بإسرائيل” .

على أن الأمل هو أن يستفيق الرؤساء والساسة الأمريكيين إلى مثل هذه الحقوق التي يتكلمون عنها في مذكراتهم عندما يكونون في موقع القرار وليس في خريف أعمارهم .

أضف تعليق