يا للصدفة !! ففي اليوم الذي قرأت فيه قبل حوالي أسبوعين في صحافتنا المحلية خبر سرقة ما قيمته مائة ألف دينار من مكتب إحدى الفنانات عرض علي أحد الأصدقاء معاناته وانقضاء نهاره متجولا بين البنوك والمصارف ومختلف المؤسسات المالية باحثاً عن أفضل عروض القروض ليتمكن من شراء سكن يضمه مع أسرته .
فصاحبنا حصل مؤخـراً على قرض من وزارة الإسـكان قدره أربعين ألف دينار ( وهو أقصى حد للقروض الإسكانية الممنوحة ) وكما تعرفون فإن هذا المبلغ فقد – منذ عدة سنوات – قيمته في سوق العقار ، فهو لا يصلح حتى للتفكير بأن يُشـترى به شـيئاً ! وحيث أن الأمر هكذا ؛ فقد قرر صاحبنا أن يستجمع قواه مع معاناة أخرى يستعطف فيها البنوك من أجل أن يحصل على قرض براتبه وراتب زوجته ( يُرقّع ) ويُكمل ما قصُر عنه قرض الإسكان . ويبدأ مع زوجته رحلة أقساط شهرية طويلة الأجل تمتد إلى خمسة وعشرين عاماً ( أمدّ الله في أعمارهما وأعطاهما الصحة والعافية ) لسداد أقساط قرضين يساوي مجموعهما ما تم سرقته من مكتب إحدى الفنانات التي من حق صاحبنا وغيره من الناس أن يتساءل : من أين لها هذا ؟ وهل الفن يمكن أن يدرّ مثل هذه المداخيل الكبيرة ؟! ولاحظوا أن هذا المبلغ فقط في المكتب !
ويزداد السؤال إلحاحاً – أو فلنقل إحباطاً – إذا عرفنا أن صاحبنا وزوجته اللذان يبحثان عن قرض يساوي المبلغ المسروق من الفنانة إنما هما أستاذ جامعي وطبيبة !! ولكم أن تتصوروا أن أستاذا جامعياً قضى شطراً كبيراً من حياته في المدارس والمعاهد والجامعات متدرجاً بين مراحلها ومراتبها العلمية قبل أن يحصل على هذا اللقب وكذلك زوجته الطبيبة التي قضت سني حياتها في التحصيل العلمي والبحثي مثل زوجها ثم يكون مآلهما التسكع بين البنوك للاقتراض وسدّ حاجتهما.
لاشك إن ما يحدث حولنا من الأمور المعكوسة تصب نحو ترسيخ الميزان المقلوب للأولويات والاهتمامات وتدمير الكفاءات والخبرات وتنشئة لشبابنا وفتياتنا على روح الإحباط واليأس ورفع شأن العبارة التي تقول عن واقعنا : ” لو وُضع خلخال راقصة مع مفكر بعقله وكتبه في كفتي ميزان لرجح خلخال الراقصة “