راصد

فيصل وبيْتُ الحَمْد

الموت نهاية كل حي ، فإذا ما قضى المرء نحبه، حزُن عليه ذووه ومعارفه، فترى العيون تَدمع، والقلوب تتفطر، ولئن كان الأطفال هم الأكباد والمهج والعيون فإن فقدانهم سيؤدي إلى أن يبلغ الحزن مداه على مثل سمو الشيخ فيصل بن حمد الذي كان يملاً الأبصار بجماله، ويسرّ النفس بحركاته وضحكاته، وتعجز الكلمات عن وصف الوحشة التي ألمّت بالبحرين ليلة رحيله ، وجعلت الجميع يذكر فداحة مصابه، ويعدد محاسن هذه الريحانة التي عصفت بها يد القدر، وأخذتها من الحياة.

 والأبناء الذين جعلهم الله قرّة الحياة الدنيا وزينتها، هم من أشدّ من تقع وطأة موتهم على الإنسان، لأنهم بهاء الحياة وفخرها، إذا أصلحهم الله، وبهم يصل الأجر بعد الوفاة لوالديهم , يقول سبحانه: ” المال والبنون زينة الحياة الدنيا ” وابن الرومي يقول عن الأبناء إنهم جوارحه، وهل يستطيع المرء أن يعيش بدونها؟

أولادنا مثل الجوارح أيها        فقدناه كان الفاجع البين الفقد
 لكل مكان لايسدّ اختلاله        مكان أخيه في جزوع ولا جلد

هل العين بعد السمع تكفي مكانه     أم السمع بعد العين يهدي كما تهدي؟

ولكن يأتي العزاء والسلوى والصبر، عندما يدرك الإنسان أن الموت لا مفرّ منه، ومما يدعم هذا الصبر : الإيمان بالقضاء والقدر، والتسليم للخالق الذي أعطى وأخذ، ومما يخفف من ألم الفراق، الأحاديث المبشرة بدخول الصغار الجنة، وأنهم ينتظرون والديهم، وهم لهم فرط عند خالقهم (أي أنهم ذخر وأجر للوالدين يوم القيامة) ورسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” إذا مات ولد العبد قال الله عز وجل لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم,, فيقول سبحانه: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم,, فيقول سبحانه وهو أعلم: ماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتاً في الجنة، وسموه بَيْت الحَمْد “.

الموت يفرّق بين الأحبة، ويدخل كل بيت، ووقعه على النفوس أليم، واقتضت حكمة الله البالغة أن يذوق مرارته كل إنسان، ويتجرّع غصّته كل بني آدم، ولذا كانت أوامر دين الإسلام، تحثّ على الصبر، وقوّة التّحمل، حتى تهدأ النفوس، وتتحمّل وطأة هذه المصيبة، عندما تقع، فكان من تسلية النفس أن قرن الأمر بالثواب، ووعد الصابر الأجر الجزيل، عند الله يوم القيامة .

وعمر بن عبدالعزيز رحمه الله، الخليفة الأموي، الذي كان يسمى الخليفة الراشد الخامس، ضرب نموذجاً من النماذج التي تحتذى بالصبر، وقوة التحمل، وعدم الجزع، بل السرور عندما مات ابنه عبدالملك، فقد روى سفيان الثوري، قال: قال عمر بن عبدالعزيز، لابنه عبدالملك وهو مريض: كيف تجدك؟ قال في الموت، قال له: لأن تكون في ميزاني، أحب إليَّ من أن أكون في ميزانك، فقال له: يا أبت لأن يكون ما تحبّ أحب إليَّ من أن يكون ما أحبّ, قيل فلما مات ابنه عبدالملك، قال عمر: يا بنيّ لقد كنت في الدنيا كما قال الله جل ثناؤه ” المال والبنون زينة الحياة الدنيا “، ولقد كنت أفضل زينتها، وإني لأرجو أن تكون اليوم من الباقيات الصالحات، التي هي خير من الدنيا، وخير ثواباً، وخير أملاً.
 والله ما سرّني أني دعوتك من جانب، فأجبتني, ولما دفنه قام على قبره، فقال: مازلت مسروراً بك، منذ بشّرت بك، وما كنت قطّ أسرّ إليَّ منك اليوم,, ثم قال: اللهم اغفر لعبد الملك بن عمر، ولمن استغفر له. فاللهم اغفر لفيصل وأسكنه فسيح جناتك وألهم والديه وعائلته الكريمة الصبر والسلوان واجعله من الباقيات الصالحات .

أضف تعليق