بكل جحود وقسوة قلب ، وموت للمشاعر الإنسانية قد يصطحب أحدهم والدته التي أرضعته من صــدرها وضمّته إليه وسكبت في روحه الدفء والحنان ، وقدّمت له كل ما تستطيع ، وتحمّلت التعب والسهر من أجل راحته وتنشأته ، حتى إذا ما كبر جحد كل ذلك وأودعها في مكان لا تراه ولا يراها ، إما في خارج منزله أو في المستشفى أو دار للعجزة والمسنين ! نعم لقد قست القلوب ، فصــارت كالحجارة ، ونسى كثير من الأبنـاء في خضم هذه الحيــاة الزائفـــة والتهافت على الدنـيـــا ، وكســب المال – حلاله أو حرامه – آباءهم وأمهـــاتهم ، واســـتجابوا لمن يحرضونهم على إهمالهم متناسين وصية المولى في كتابه الخالد بشأنهما وربط عبادته بالإحســـان إليهما ورعايتهما وطاعتهما والبــرّ بهما ، والرحمــة بهما عند الكبر . إن أنين بعض الآباء والأمهات في المستشفيات أو دور العجزة يقطع نياط القلوب ، ودموعهم التي يذرفونها تذيب الصخر والثلوج ، وإن قصص قطع الأرحام وإهمال الوالدين وعقوقهما ، لهي مآسي تتفطر لها القلوب السوية والأذهان السليمة .
بل تشهد ســاحات القضـــاء قضــايا من نوع إلزام الأبنـــاء بدفع نفقة لوالدتــــه التي ليس لها مصــدر رزق وليس لها عائـل ســوى هذا الابن ، وهي قد تعاني من أمــراض في الكلى والظهر والبصــر و… إلخ، وبخل ابنها عنها حتى في توفــير مأكلها ومشــربها وملبســها في حالات من كثرة غرابتها لتصــوّرنـاها ضربـاً من ضــروب الخيـــال التي لايمـكن أن تحدث لهؤلاء الآبــاء والأمهات على أيــدي أبنائهم أو ما يســـمونهم فلذات الأكبـــاد ومهج الأرواح .
يقال إن إحدى الأمهات جلست ذات مساء تساعد أبناءها في مراجعة دروسهم وأعطت طفلها الصغير البالغ الرابعة من عمره كرّاسة للرسم حتى لا يشغلها عن ما تقوم به من شرح ومذاكرة لأخوته الباقين . وتذكرت فجأة أنها لم تحضّر طعام العشاء لوالد زوجها الشيخ المسّن الذي يعيش معهم في حجرة خارج المبنى في حوش البيت ، وكانت تقوم بخدمته ما أمكنها ذلك والزوج راضٍ بما تؤديه من خدمة لوالده والذي كان لا يترك غرفته لضعف صحته . أسرعت بالطعام إليه ، وسألته إن كان بحاجة لأي خدمات أخرى ثم انصرفت عنه . عندما عادت إلى ما كانت عليه مع أبنـــائها لاحظت أن الطفل يقوم برسم دوائر ومربعات ، ويضع فيها رموزاً فسألته : مالذي ترسمه ؟ فأجابها بكل براءة : إني أرسم بيتي الذي سأعيش فيه عندما أكبر وأتزوج . أسعدها ردّه ، وقالت وأين ســتنام ؟ فأخذ الطفل يريــها كل مربع ويقول هذه غرفة النوم ، وهذا المطبخ ، وهذه غرفة لاســـتقبال الضـــيوف ، وأخذ يعدّد كل ما يعرفـــه من غرف البيت . ولكنّه ترك مربعاً منعزلاً خارج الإطار الذي رســمه ويضم جميع الغرف ، فعجبت الأم وقالت له : ولمـــاذا هذه الغرفة خارج البيت منعزلة عن باقي الغرف ؟
أجاب : إنها لك ِ سأضعك فيها تعيشين كما يعيش جدي الكبير ، صعقت الأم لما قاله وليدها ! هل سأكون وحيدة خارج البيت في الحوش دون أن أتمتع بالحديث مع ابني وأطفاله وآنس بكلامهم ومرحهم ولعبهم عندما أعجز عن الحركة؟ ومن سأكلم حينها ؟ وهل سأقضي ما بقي من عمري وحيدة بين أربع جدران دون أن أسمع لباقي أفراد أسرتي صوتاً ؟ حينها أسرعت بمناداة الخدم ، ونقلت وبسرعة أثاث الغرفة المخصصة لاستقبال الضيوف والتي عادة ما تكون أجمل الغرف وأكثرها صدارة في الموقع ، وأحضرت سرير عمّها (والد زوجها ) ونقلت الأثاث المخصص للضيوف إلى غرفته خارجاً في الحوش . وما أن عاد الزوج من الخارج تفاجأ بما رأى ، وعجب له . فسألها ما الداعي لهذا التغيير ؟
أجابته والدموع تترقرق في عينيها : إني أختار أجمل الغرف التي سنعيش بها أنا وأنت إذا أعطانا الله عمراً وعجزنا عن الحركة ، وليبق الضيوف في غرفة الحوش . ففهم الزوج ما قصدته وأثنى عليها لما فعلته لوالده الذي كان ينظر إليهم ويبتسم بعين راضية فما كان من الطفل إلا أن مسح رسمه وابتسم .
إن عقوق الوالدين حسب تواتر القصص والحكايات هو في الغالب دين يقرضه الأبناء لوالديهم ثم سرعان مايتم الوفاء به عن طريق أبناء هذا الابن ، ولذلك يجب الحذر في اقتراض عقوق الوالدين . آباؤنا وأمهاتنا أسيادنا وتاج رؤوسنا ، يجب أن نكون لهما الحضن والصدر الحنون والراعي لشيخوختهما ، فذلك أقل القليل من ردّ جميلهما .