راصد

في دولة المؤسسات والقانون (2)

في دولة المؤسسات والقانون مستشفيات ومراكز صحية تأتي إليها الحالات المرضية فتعمل على علاجها وإيلائها الرعاية المناسبة ، فإذا ما تعذّر العلاج واستعصت الحالة على الشفاء وتبين لتلك المستشفيات والمراكز الصحية أن علاجها ليس متوفراً فيها طارت بها فوراً إلى حيث يمكن شفاؤها وإعادة البسمة إلى صاحبها وأهلها ، وذلك من خلال آليات حاسمة ونافذة تتعامل مع هذه الحالات الإنسانية المرضية المستعصية دونما حاجة لأن ينتاب أهل المريض وأقربائه القلق أو الحزن أو الترقب أو يقومون ب( الطرارة ) ودقّ أبواب أهل الخير والجمعيات والصناديق أو النشر الصحفي أو المسؤولين طالما أن أنظمتنا وآلياتنا تجعل من مسألة علاج مريضهم في الخارج أمراً طبيعياً وحقّا مكتسباً مادام غير متوفراً في البلاد ، لا يحتمل التأجيل ولا يحتاج إلى التأخير  ولا إلى  غير ذلك مما لا نستطيع تصنيفه ضمن دولة المؤسسات والقانون.

في دولة المؤسسات والقانون وزارات وأجهزة لديها كامل المعلومات عن مقدار مداخيل موظفي القطاع العام والمتقاعدين وتحول لهم شهريا رواتبهم مباشرة في حساباتهم البنكية ولدى تلك الوزارات والأجهزة معلوماتها أيضاً عن أصحاب السجلات التجارية ، وما هو منشط  منها وماهو غير منشط ، ويُفترض إزاء ذلك عند التوجيه بصرف مكرمة أو علاوة كإعانة الغلاء ألانحتاج في دولة المؤسسات والقانون إلاّ للضغط على بضعة أزرار في أجهزة الحاسب الآلي لتذهب إلى مستحقيها بدلاً من التسجيل والطوابير والتظلمات ورصد ميزانية تلو ميزانية وتدخل ومبادرات من القيادة الرشيدة وما شابهها من تداعيات لازالت مستمرة لا تتناسب مع آليات عمل في دولة مؤسسات وقانون .

وفي دولة المؤسسات والقانون لايمكن الإعلان عن إقامة مشروعات إلا بعد التحقق من إمكانية تنفيذها وتحديد الميزانيات اللازمة لها ومعها الفترة الزمنية التي سيستغرق إنشاؤها وبالتالي لايُسمح بأن تكون هذه المشروعات مجرد مجسمات يتم عرضها بين حين وآخر ثم لا يكون لها في الواقع من أثر سوى أن الناس تعارفوا على أنها ” كلام جرايد” أو ” بيع هواء ” !

 وفي دولة المؤسسات والقانون إدارات للعلاقات العامة وأنظمة للشكاوى والتظلمات وأقسام لخدمات الزبائن والمستهلكين من الصعب القبول بالقول أنها تبقى عاجزة أمام استقبال المراجعين ومعالجة الشائك من قضاياهم والرد على استفساراتهم والاستجابة لطلباتهم ولا يُلتفت إلى مأساتهم أو حجم معاناتهم وعوزهم  إلاّ حينما تنشر الصحافة المحلية عنها أو يبثون شكواهم في البرنامج الإذاعي الصباحي ( صباح الخير ) أو ما شابهها من وسائل النشر والإعلام ، وسواء كانت مشكلتهم تتعلق بالمرض أو السكن أو الفقر أو غيرها من قضايا يلفّ أصحابها بها على جميع الجهات و( يتمرمطون ) ويطرقون ما شاء لهم من أبواب تلك الإدارات والأقسام  التي قد لا يرون فيها إلاّ الصدود والمماطلة والتأجيل المفضي إلى اليأس ، ثم لا يجدون أمامهم إلا النشر الصحفي أو الإذاعي على أمل أن تنفتح المغاليق وتتحقق الردود والاستجابات التي كان يُفترض أن تتم وفق قنواتها وآلياتها الطبيعية في دولة المؤسسات والقانون.

وفي دولة المؤسسات والقانون مكاتب ومجالس المسؤولين مفتوحة للمواطنين ، تسعهم صدورهم وتحملهم مُقَل عيونهم ، يسمعون منهم مباشرة دون حاجة لوسيط ذي خبث أو مصلحة أو بطانة نفاق وخراب بين الناس والمسؤول ، يعرضون مشكلتهم ويطرحون رأيهم بكل شفافية واطمئنان إلى أن من يتكلمون أمامه رجل مخلص صدوق تم وضعه في هذا المكان من أجل خدمتهم والوقوف إلى جانبهم وتنفيذ توجيهات القيادة الرشيدة التي لايصحّ في دولة المؤسسات والقانون أن نقول أن الوصول إليها قد يكون أسهل وأفضل في بعض الأحيان من عناء ومشقة الالتقاء ببعض الوزراء والمسؤولين الذين لايدركون معنى أنهم موظفون في دولة المؤسسات والقانون .

أضف تعليق