فعلاً ؛ الجهل بالقانون مصيبة ، لكن المصيبة الأكبر هي الجهل بالقراءة .. أحسب أن المقالة التي نشرتها في الأسبوع الماضي بعنوان ” في محاكمة هشام ” قد تناولت فيما يخص المحامية فاطمة الحواج أمرين اثنين ، لا ثالث لهما يتعلقان بمسألة تُسمى في مجملها : تناقض . أولهما : أنه من الصعب أن ينبري محام لقضيـة ما في يـوم من الأيـام ويقف في صفّ المدّعي عليه ثم تجد نفس المحامي في قضية شبيهة بتلك ، ولا تختلف عنها ؛ لكنه يقف هذه المرّة مع المـدعي !! أي ضرورة أن يكون للمحامي خط واحد في وكالته – مثلاً – في دعاوى السبّ والقــذف المرفوعـة ضد الكتـاب والصحفيين ، فلا يكون مرة في صف المتهـم ( القاذف ) ومرّة أخرى في صفّ المدعي ( المقذوف) . وثانيهما : من الغريب أن تقف الحواج اليوم في ساحة القضاء لتطالب بما كانت هي نفسها قد حذّرت منه الآخرين في مقال لها منشور في جريدة يومية قبل حوالي ثلاثة شهور !!
هذا التناقض هو الذي كان يحتاج إلى توضيح ، وإلاّ فإن مردّ تفسيره – وفق منطق الأشياء وحسب المراقبين – هو ذات التعصب الفكري الذي حذرت منه الحواج في ردّها . ولذلك فقد تفاجأت بأن ردّ المحامية الحواج المنشور يوم أمس الأول قد أغفل هذين الأمرين رغم أنهما لبّ الموضوع ، وراح يتكلّم عن مقال هشام الزياني – محلّ الدعوى – وما تضمنه من سب وقذف – حسب قولها – في حق موكلتها وأن القضاء هو الذي سيفصل في هذه القضيـة ، وأســدت لنا درسـاً مجانياً في الفرق بين الدعوى المدنيـة والدعوى الجنائيـة ( حاولت جاهداً أن أعرف مناسبته أو موقعه من الإعراب فلم أوفق ) وغيرها من أمور لم يرد ذكرها عن الأمرين الخاصين بها في مقالتي ولم أستفسر عنهما ولم أتطرّق إليهما !! بالإضافة إلى أنها ساقت مجموعة من الألفاظ غير المؤدبة في حقي مما لا أعرفه ولم نألفه عن لباقة القانونيين فضلاً عن أدبهم ونباهتهم . وأترفع عن مقارعتها .
أما التعصب الفكري ، فإنه لا يعيبني أبداً أن أتعصّب للفضيلة وللقيم الإسلامية وللمحافظة على سمعة بناتنا وأبنائنا وسمعة بلدنا والاحتجاج على الذين يريدون لها أن تكون مكبّاً للرذائل وللنفايات ( … ) ، كما يشرفني ويزيد من قدري أمام نفسي وعند الأسوياء من الناس وأبريء ذمتي عند الله – وهو الأهم – أن أتعصّب للمدافعين عن هذه القيم والأخلاق ، وهذا التعصب تفيض منه روائح زكية تختلف عن تلك الروائح الكريهة الآسنة الناشئة من التعصب الفكري الآخر الذي ستكتشفه الحواج بمجرّد أن تجلس مع نفسها جلسة صدق ولحظة مصارحة تخلص فيها مع ذاتها وتحرص خلالها على إزالة التناقض في الأمرين الذين أشرت إليهما في مقالتي السابقة وبداية هذا المقال . وتسأل نفسها بكل إخلاص واطمئنان : لماذا الوقوف هاهنا ضد هشام بالذات ؟ وهل سيكون ذات الموقف لو كان الصحفي غير هشام ؟! ولا بأس من استعراض نوعية الواقفين مع أو ضد هشام في جلسة الصدق ولحظة المصارحة المقترحة مع الذات من أجل الوصول إلى الفرق بين التعصب الفكري المطلوب والتعصب الفكري الممجوج ، وبالتالي التمييز بين الروائح المنبعثة من النوعين ، ومعرفة أيهما أطيب وأزكى وأيهما نتن وكريه وآسن .
وفي هذا الصدد ، وبهذه المناسبة ؛ أود أن أشير إلى أمر غريب يتعلق بالحساسية المفرطة التي تصيب البعض كلما جاء ذكر الفضيلة ، إذ يتخيل هذا البعض – فوراً – أنه المقصود بضدّها ( الرذيلة ) بالرغم من أنه لم يُشر إليه ، ويتصوّر أن من ذكرها يحتكر الفضيلة ويدّعي العصمة ولو لم يأت على ذكر ذلك . نسأل الله العافية من الوسواس والحساسية .