لا أجد ضيراً من إعادة تكرار دعوة سبق لي أن وجهتها في هذا العمود المتواضع أكثر من مرّة ، وأعيد توجيهها الآن أيضاً من غير الدخول في التفاصيل لأن بعض التفاصيل محزنة ومحبطة وربما تكون مثاراً للفتنة أو حتى للشماتة . خاصة إذا تعلّقت بجهات أو مؤسسات أو أفراد نكنّ لهم الاحترام والتقدير ونخشى عليهم أن يكتشفوا في يوم من الأيام أنهم إنما كانوا – بقصد أو من غير قصد – جسراً أو سلّما أو أداة لإحداث المزيد من التشظي أو الإضعاف ، بالذات لصفّ أهل السـنّة والجماعة . أو أن يضعهم الناس في مصاف المسيئين للعلماء والأئمة والخطباء ممن أوجب لهم ديننا الحنيف المهابة والتقدير وأنزلهم في مكانة الاحترام ، وحذّر من الإساءة إليهم .
قلنا إنه من المهم ، في هذا الصدد ؛ توزيع وتفصيل الأدوار والاختصاصات والمسؤوليات و( التبعيات ) بين المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية ومجلس الأوقاف السنية وإدارة الأوقاف السنية ووزارة العدل والشؤون الإسلامية وفق عمل مؤسسي ولوائحي و( جماعي ) يمنع الاستحواذ أو التداخل ويحفظ للجميع احترامهم وعدم المساس بهم ويبعد ما يتعلق بأمورهم عن الشخصنة وما إلى ذلك . ولانتكلم هنا عن المساجد والخطباء والأئمة لدى الطائفة الأخرى ، إخواننا الشيعة ، لأن المقارنة معهم أيضاً محزنة ومحبطة .
على أن الأمر الأكثر إلحاحاً الآن هو أن تدخل المساجد والأوقاف والخطباء والأئمة والمؤذنين في إجراءات وأنظمة دولة المؤسسات والقانون ، فيكون لهم قانون ينظم سائر شؤونهم ، ابتداء من شروط تعيينهم وتحديد المؤهلات المطلوبة ومكانتهم العلمية ومدى ومقدار حفظهم للقرآن الكريم وتمكنهم من تلاوته وتجويده و( نطق حروفه ) وإلمامهم باللغة العربية وقواعدها ، ومكافآتهم ومرتباتهم وحالات قطعها أو وقفها أو تأخيرها ، وواجباتهم وحقوقهم وأنظمة تقاعدهم ، وكذلك كيفية تشكيل وتعيين أعضاء لجان مقابلاتهم واختباراتهم واختياراتهم ، وتوزيعهم ، وتصنيفهم بين أصلي واحتياطي ، ومروراً ببناء المساجد والأوقات المحددة لاستخراج تصاريحها وحالات وأسباب وقف أو منع أو تأخير بنائها ومسؤوليات المتابعة والإشراف عليها وتبعات تأخير تنفيذها وصيانتها وترميمها وتوفير واستكمال سائر احتياجاتها ومستلزماتها ، واستثمارات الأوقاف وحالات تأخير أو منع الاستفادة منها وأوجه صرف نتاجها وطرق الاستفادة منها ، وصولاً إلى العقوبات الواقعة على الخطباء والأئمة والمؤذنين ، سواء تغييرهم أو وقفهم عن الخطابة أو منعهم من الإمامة من خلال نصوص قانونية وأحكام قضائية تحفظ لهم اعتبارهم واحترامهم ومكانتهم وتساويهم بغيرهم من المهن التي لا يمكن التواصل معهم أو توجيههم أو وقف أصحابها أو معاقبتهم عن طريق الهاتف أو برسائل نصية أو ما شابه ذلك مما لا يتناسب ( أصلاً ) مع المكانة المفترضة للعلماء والأئمة والمشايخ ، ولايستقيم – وهو المهم – اللجوء إليه في دولة المؤسسات والقانون ، وفي إطار الحريات والانفتاح والإصلاحات الكبيرة التي دشنها جلالة الملك المفدى في عهده الزاهر .
في الحقيقة لابد أن يكون بين هذه المجالس والجهات نظام وصلاحيات واختصاصات واضحة ومحددة ومرجعية قانونية وقضائية يُستند إليها لتسيير كل ما يتعلق بالمساجد والأوقاف والأئمة والخطباء ، وهذا جانب هام في حياتنا ، نريد له أن يقوى ويُستفاد منه ويشتدّ عوده ويحيى للمسجد والجامع دوره وأهميته وتستقطب الخطابة والإمامة أصحاب المؤهلات الشرعية وحفظة القرآن الكريم ويلتصق منبر الجمعة فيه أكثر فأكثر بحياة الناس ونبض الشارع بدلاً من عزله عن حيوية مشكلات الوطن وهمومه وقطع صلته بقضايا الأمة العربية والإسلامية .
إن وجود الخريطة الواضحة للاختصاصات والصلاحيات ضمن قانون – أو قوانين – للمساجد والأوقاف والخطباء والأئمة والمؤذنين سيضمن استفادتنا في بناء المساجد وعدم إعاقتها أو تأخيرها وسيحقق استفادتنا من أصحاب المؤهلات العلمية في العلوم الشرعية وكذلك حفظة القرآن الكريم و( شرواهم ) ممن يحزّ في النفس أن نسمع عن إعراض أو استبعاد بعضهم أحياناً لأسباب إنما تعود في نهاياتها – مهما قلنا وبررّنا – لغياب الاشتراطات والاختصاصات والصلاحيات المحددة والقانون المنظم لها ، فيُصار حينها إلى اعتماد اختلاف الأمزجة والتوجهات والتقديرات والممارسات الشخصية ، ومعها تنتشر الشكوك بأن هناك من يحارب هذا التوجه أو ذاك أو هناك من يُصفي حساباً له مع هذا التيار أو ذاك أو هناك من يضيق ويحجر الخطابة والإمامة على من يختلف معهم أو ما شابهها من ظنون وتأويلات تجد لها – في ظل غياب الاختصاصات والصلاحيات الواضحة والقانون المنظم لها والعمل المؤسسي ( الجماعي ) الذي يسيّرها – بيئة خصبة وثرية للاختلاف وللقيل والقال ، وربما للاستغلال ، وكذلك إفساح المجال لزيادة الكسور والشروخ والهشاشة في هذا الفخار المسكين . للأسف الشديد .