في نهاية العام الدراسي الحالي سيترك الأستاذ محمود مهنته وسيعتزل طلابه ومحرابه وسبّورته ، وسيخلّف وراء ظهره سنين طويلة مليئة بالذكريات ، وسينتقل إلى عالم آخر يسمى ” دنيا المتقاعدين ” أو ما أصبح يُعرف في دنيا الناس ب ” الموت البطيء” بعد أن خدم الوطن لمدة أربعة وثلاثين عاماً ، قضى جلّها في حقل التربية والتعليم ، وتتابعت في التخرّج على يديه أفواج وأفواج ، منهم الطبيب والمهندس والمحاسب والمحامي والمدرّس و… إلخ .
غير أن للأستاذ محمود قصة أخرى قد لا يكون هو الوحيد فيها ، وقد لا يكون أول المتضررين منها ولا حتى آخرهم طالما لن يتم اتخاذ إجراءات استثنائية تخص المتقاعدين الذين هم بمثابة أجدادنا وآبائنا الذين يستحقون في تالي أعمارهم عيشة الملوك ، وأن يكون تكريمهم كالتيجان فوق الرؤوس ، نصبحهم بالشكر ونمسّيهم بالامتنان ، فهم أوسمة الأوطان وبركة الزمان ، تحملوا المشاق وشظف العيش أيام كانت الحياة غير ما نعيشه اليوم ، وحين كان الزمان والمكان مختلفين عمّا نحن عليه .
الأستاذ محمود سيقضي تالي عمره – أمدّه الله بالصحة والعافية وسعة الرزق وطول العمر – في شقة متواضعة تضمه مع زوجته وأبنائه الثلاثة ، وسيبقى يدفع إيجارها إلى ما شاء الله ، وسيورّث هذه الشقة أو مثلها لأهله وأبنائه .. فهو بعد خدمة للوطن ، وفي مهنة هي من أسمى المهن دامت أربعة وثلاثين عاماً يكتشف أنه يخرج منها دون أن يملك بيتاً أو أرضاً لا لشيء سوى أنه لا عزاء للمتقاعدين .
في عام 2003م ؛ عندما رأى الأستاذ محمود بوادر إنشاء بضع بيوت إسكانية في منطقته التي ترعرع فيها ونشأ في فرجانها وأزقتها ، وفضّل البقاء فيها ولو باستئجار شقة . عندما سمع عن بوادر إنشاء هذا المشروع استجمع أوراقه وذهب إلى وزارة الإسكان لتقديم طلب الحصول على أحد هذه المساكن من دون أن يدري أن القدر قد خبّأ له مفاجأة حرمانه بشكل نهائي من الحصول على بيت لأسرته وأبنائه ، فهو – آنذاك- قد تجاوز السن المسموح له بالتقدم فيه للحصول على إحدى الخدمات الإسكانية ، وهو على وشك الإحالة للتقاعد ، وبالتالي فإن فئة المتقاعدين محرومون من هذه الخدمات ، وليس لهم أن يتقدموا للحصول عليها ، هم أو من هم على وشك أن يصل إلى مواصيلهم .
لا نستطيع أن نخفي أن هنالك ضرراً ما يحدث للمتقاعدين لا يمكن تجاهله ، وليس قصة الأستاذ محمود إلا نموذجا لما قد يتعرضون له في تالي أعمارهم ولا نكون حينها – بعد أن قضوا زهرة حيـــاتهم وأفـنوا سـني أعمارهم وأضاعوا جلَ حياتهم في خدمتنا – قادرين على رد جمائلهم أو على الأقل نكفيهم حاجتهم ومؤونتهم ونمنعهم ذلَ السؤال ، ونمنع عنهم العوز والحاجة ، ونتيح لهم الحياة بيسر وكرامة ، وبلا إهانة ولا معاناة . لهم ولأسرهم ، وما المنزل اللائق إلا شيء يسير يمكن للدولة أن ترد به بعض جمائل أبنائها من الرعيل الأوائل من أمثال الأستاذ محمود .