راصد

قصة السيدة بيبي

نيا .. هو اسم خادمة أندونيسية استقدمتها إحدى الأسر البحرينية قبل حوالي ثمانية شهور كانت خلالها مثالاً للخادمة المطيعة والمربية الحنونة للأطفال ، لم تر منها العائلة الكافلة لها أية مشاكل ولم تساورهم نحوها أية ظنون وهواجس . غير أن ربة البيت تفاجأت في صباح أحد الأيام باختفاء خادمتها وهروبها من المنزل لتبدأ هذه العائلة رحلة معاناة أخرى تعيش مثلها العديد من الأسر البحرينية دون أن يكون لها حلّ في المنظور القريب ، ودونما اهتمام جدّي بمعالجة هذه الظاهرة التي يبدو أنها آخذة في التفاقم والاستفحال حيث تتحدث بعض الإحصائيات عن ما يقارب (15) ألف عامل أجنبي في البحرين ، بما فيهم خدم المنازل ، وإذا صحّ هذا الرقم فإن الأمر يكون في غاية الغرابة أن يتواجد هذا العدد الكبير من الهاربين في جزيرة صغيرة كالبحرين ذات كثافة سكانية عالية في بعض مناطقها بينما أجزاء كبيرة منها غير مأهولة .

ولكن من هي السيدة بيبي ؟! السيدة بيبي هو الاسم الفني أو اسم الدلع أو – سمّه ما شئت – للخادمة نيا نفسها ! وهو اسم اكتشفه كفيلها حينما رآها بعينه في مرقص بأحد الفنادق . ولذلك قصـة غريبة لابأس من ذكرها لنتعرف على أبعاد ظاهرة هروب العمالة الأجنبية ومن يأويهم ومقدار الجديـة في مكافحتها واحتوائها .  تبدأ قصة مشــاهدة السيدة نيا ( بيبي) في أحـد المراقص عندما اتصل أحد الأجانب بكفيلها ليخبره – كفاعل خير – أن لديه معلومات عن مكان تواجد خادمته الهاربة ، وأنها تتنقل بين البارات في فنادق متعددة ، وأنه اختلف معها ولذلك سيدلل على مكانها إن رآها ، وبالفعل اتفق الاثنان – الكفيل والأجنبي فاعل الخير – على ذلك .. في إحدى الليالي تلقى الكفيل اتصالاً من صاحبنا الأجنبي فاعل الخير بأن خادمته الهاربة موجودة في المرقص الفلاني بالفندق الفلاني . ولأن الكفيل غير معتاد على زيـارة مثل هذه الأماكن استعان بأحد أقاربه وذهبا إلى مكانها حيث رأوا الســيدة نيا هناك وعرفوا أنهم ينادونها في ذاك المكان باسـم ( بيبي ) !

ظنّ الكفيل أن قصة هروبها قد انتهت ، وما هي إلا دقائق تفصل نيا عن الوقوع في قبضة الشرطة ، ولعلّ القبض عليها سيساعد السلطات الأمنية في الوصول إلى بضعة خيوط تلجم نزوات الهاربين وتمسك بعصاباتهم . وظنّ الكفيل أنه سيسدي خدمة جليلة للشرطة يستحق نيل شكرهم وتكريمهم له باعتباره مثالاً للمواطن الصالح المتعاون مع الشرطة في خدمة المجتمع .

ومن أجل ذلك قام الكفيل بإرسال مرافقه إلى مركز للشرطة الذي تصادف – من حسن حظه – أن يكون موقعه في الشارع المقابل بالضبط للفندق المتواجدة في مرقصه السيدة نيا ( بيبي ) ولكن المفاجأة هي أن شرطة هذا المركز اعتذروا عن القيام بواجب القبض عليها لأن البلاغ عن هروبها تم في مركز آخر ، وهو مركز شرطة المحرق ، وبالتالي هو المركز المسؤول عن القبض عليها ! لم ييأس الكفيل فالقبض عليها وهي في حالة التلبس بالهروب أمرهام وقد يقـود إلى التعرف على المتعاونين معها والذين استغلوها لمثل هذه المهنة ؛ وبالفعل اتصل بمركز شـرطة المحرق الذين طلبوا منه أن يزودهم برقم بلاغ هروبها وتاريخه ليتأكدوا : هل يتضمن البلاغ أمراً بالقبض عليها أم لا ؟ بالطبع الكفيل لا يحفظ رقم البلاغ ولا تاريخه ، وتحت إلحاحه أعطاهم الشهر الذي يتوقع أنه قدم بلاغ هروبها إليـهم ، وطلبوا منه الانتظار لحين معــاودة الاتصال به .  أحسّت السـيدة نـيا ( بيبي ) أن هناك من يدبّر لها أمراً فتوارت عن الأنظار وانسلّت من المرقص لتأت دورية شرطة من مركز المحرق بعد حوالي الساعة والنصف من الاتصال بالمركز فلا تجد لها أثراً !

بعد حوالي شهر أخبر أحدهم الكفيل بأن خادمته السيدة نيا ( بيبي) متواجدة في البار الفلاني بالفندق الفلاني إلا أن الكفيل رأى أنه لاحاجة لهذه ( المرمطة ) والملاحقة من بار إلى بار طالما أن هروب الخدم وغيرهم من الأجانب يتعلق فقط بتقديم بلاغ عن الهروب ، ثم عليك الانتظار إلى يُنهي هؤلاء مهماتهم وأعمالهم في البلاد ، سواء سنة أو سنتين أو ثلاث أو ما شاؤوا من السنين ليجدوا في انتظارهم تذاكر ومصاربف سفرهم جاهزة عند كفلائهم ويغادروا البلاد معززين مكرمين ، متمنين لهم سفراً ميموناً وعودة حميدة حتى ولو بأسماء وهويات ومهن جديدة !!

أحاول أن أصدق أن هروب السيدة نيا ( بيبي ) وأمثالها من العمالة الأجنبية الهاربة (15) ألف – إذا صحّت الأرقام – عملية غير منظمة ، إذ لا يوجد من يُسهّل لهم الهروب ، ولايوجد من يأويهم ، ولايوجد من يُوفر لهم أعمال بديلة ، ولايوجد من يستغلهم ، ولا يوجد من يرشدهم ويوجههم . وتبعاً لذلك لاتوجد حاجة جدية لملاحقتهم والقبض عليهم في أوكارهم ومآويهم وحفظ حقوق الكفلاء وأموالهم .

أضف تعليق